حيث لا ينفع الندم

منذ 54 دقيقة


ذة. سلوى قريش

في مثل هذه الأيام المباركة قبل ما يقارب ثلاث سنوات، سألني أحد المتتبعين رحمه الله : أحببت حكايات سلسلة أعلام من صنف آخر، فمتى سنقرأ جزأها الأخير أستاذتي …؟
فأجبته بحسن ظن صادق : عما قريب إن شاء الله أخي الكريم …
وهذا المساء، وأنا أقرأ خبر نعيه، أربكني كثيرا ذلك الخوف الذي اعتراني فجأة …
خوف من أن أعود يوما لتلك الرحلة التي شققتها بحثا عن أعلام مدينتي، فأكتشف أن بعض من سلكوها معي قد صاروا مجرد أسماء يكسوها الغياب …
لم أكن أظن أن يمر الزمن بهذه القسوة، ولا أن يأخذ معه أولئك الذين كانوا يمنحون الكلمات معناها الأول …
ومع هذا الشعور الثقيل، أدركت كم ابتعدت عن ذلك الجزء الهادئ مني، والذي كان يجد نفسه وسط التفاصيل الصغيرة؛ في تعليق عابر أو كلمة تشجيع من أحد المارّين بمحبة صادقة …
وأعترف أنني ندمت كثيرا حين تركت كتاباتي البسيطة، وانجرفت نحو ما ظننته يوما واجبا لا يحتمل التأجيل، معتقدة أن الأمر مرحلة وسأعود بعدها إلى عالمي الخالي من كل تكلف أو تعقيد …
لكنها لم تكن تمضي …
بل كانت تتراكم، لتنتج نصوصا متشابهة حد الإرهاق، رغم كل محاولات التجميل …
حتى بهت بريق الكلمات وتآكلت بصمات الكتّاب، وقلّت دهشة القرّاء أمام تكرار فقد وهج التجديد …
ليتسلل إليّ الحنين إلى ليالي تلك الحكايات، حين كان الفضاء الأزرق أشبه ببيت صغير من بيوت القصر الكبير، نتقاسم فيه الذكريات ونستعيد ما تركته فينا المدينة من وجوه ومعالم، وكأننا نخشى أن يبتلع النسيان ذلك الزمن الجميل …
لكن تحت وطأة هذا التحول البطيء، خفُت ذلك الإيقاع الدافئ وانطفأ شيء من ذاك الصفاء الذي كان يجمعنا …
لأجدني أبتعد شيئا فشيئا عن مساحة كانت تسكنني قبل أن أسكنها …
واليوم لم يبق لي إلا هذا الاعتراف الأليم :
شوق عميق إلى ذلك الزمن، وامتنان صادق لكل من شاركنا تلك الذاكرة …
مع إدراك متأخر أن ما نؤجله بحسن نية قد لا يبقى حتى نعود إليه، كما أن من وعدناهم بلقاء آخر قد يمضون قبل أن نفي بوعدنا لهم …
لذا إن غاب صوتي يوما …
فلا تبحثوا عني بين السطور …
فبعضي حين تثقله الحقيقة …
يوصد أبوابه على أنينه هناك …
حيث لا ينفع الندم …

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading