“لمحة عن الحاج محمد بنونة، رئيساً لفريق كرة القدم بالمدينة”

5 أبريل 2022

ذ . الخليل القدميري :

الحكايات لا تموت أو تتلاشى، فهي إن لم تُدوّن أو تُحكى، تبقى، بالرغم من ذلك، موجودة على هيأة أحداث ومواقف وقصصاً غير محكاة، ولكنها قد تظل منسية أو مهددة بالنسيان مع مرور الزمن، ومن ضمن تلك الحكايات هذه التي سأحاول إزاحة غبار النسيان عنها، مقتصراً في عجالة على تقديم لمحة من الجانب الإنساني للحاج محمد بنونة، حين أسندت إليه مهمة تسيير فريق النادي الرياضي القصري لكرة القدم. و لانعدام الأرشيف الذي يؤرخ لفريق المدينة الوحيد آنذاك، فإن هذه الشهاد ستبقى وليدة ذاكرة، احتفظت بصور ذهنية عن الرجل، خلال فترة وجيزة قضاها على رأس فريق النادي الرياضي القصري لكرة القدم (نهاية الستينات- بداية السبعيناتمن ق. 20). ولانعدام الأرشيف الذي يؤرخ لفريق المدينة، الوحيد آنذاك، فإن هذه الشهادة ستبقى وليدة ذاكرة احتفظت بصور ذهنية عن الرجل خلال فترة وجيزة من رئاسته للفريق المذكور. ولا يخفى ما ينطوي عليه الاعتماد على الذاكرة وحدها من احتمال ارتكاب بعض الهفوات. وهو، حسب علمي، من بين أربعة رؤساء للفريق من بين أبناء المدينة وهم الحاج الصفريوي والحاج السباعي والحاج جامع.
وقد تزامنت فترة السي محمد بنونة مع اعتزال جل اللاعبين الأساسيين، مثل حميدو السباعي، حميدو الدوكي، محمد الفاسي، عبد القادر بوعجاج، بوغالب العيساوي، محمد بوعشى، التهامي الفاسي، جامع هْرو، محمد مورينو وعبد الهادي ميلود. ومن أجل ذلك، بدأ الإعداد لتكوين فريق قوي، عماده الشباب، تحت الإشراف التقني للاعب السابق بوغالب العيساوي، مدرباً. وأصبحت تشكيلة الفريق تتكون من اللاعبين محمد الأطرش وعبد السلام حمو سعيدة وعبد الرحمن المرابط ومحمد الموذن ومصطفى خرباش، وصلاح الشرقاوي وحمود البرناوي وأحمد العلوشي ومحمد حموزو وحميد الحداد ومحمد السبيتيوي وآخرين.
بذلك كانت البداية فترة انتقالية صعبة، تم التركيز خلالها على تكوين فريق قادر على اكتساب المعنويات المرتفعة التي توفرت لتشكيلة الفريق السابقة في بداية الستينات، حيث خاض غمار مباريات السد عدة مرات من أجل الصعود إلى القسم الوطني الثاني، ولعب فيها أدواراً طلائعية، لكن لم يحقق حلم الصعود إلى القسم الوطني الثاني، لقلة الإمكانيات المادية وانعدام الدعم المعنوي من عصبة الشمال لكرة القدم.
وقد كان رئيس الفريق مؤازراً بطاقم من المسيرين الشباب، أذكر من بينهم، على الخصوص، كلاً من محمد الصيباري ومصطفى المرابط والعربي قنديل. وقد أبان الحاج محمد بنونة عن مرونته وصبره في تسيير الفريق، مضحياً بماله ووقته وراحته من أجل أن يرى فريق مدينته يحتل أعلى المراتب في سبورة الترتيب. وقد لمست خصال الرجل الإنسانية العالية وحبه الدفين للفريق، حين أتيحت لي فرصة مواكبة مسيرة الفريق من الداخل، فعاينت كيف كان السي محمد بنونة يهتم بالشاذة والفاذة من أمور الفريق، مستجيباً لحاجياته ومهتماً بأحوال اللاعبين، وكثيراُ ما كان يترك أعماله ليرافق الفريق في رحلاته إلى مدن طنجة وتطوان وشفشاون والعرائش وأصيلة. وخلال فترة رئاستةالوجيزة للفريق، كاد أن يحقق أمنية جميع القصريين، آنذاك، بالصعود إلى القسم الوطني الثاني، وذلك بخوض مباريات السد بفريق يتضمن عناصر شابة لا تتوفر على تجربة كافية لمواجهة الظروف النفسية والحماسية التي يتطلبها خوض معارك من حجم مباريات السد، بما يحيط بها من اعتبارات قد تتجاوز قواعد اللعب الرياضية المحض. ولا زال المهتمون بكرة القدم في المدينة يذكرون في مجالسهم مجريات مباراة السد النهائية التي أجريت بمدينة القنيطرة في مواجهة فريق القرض الفلاحي لكرة القدم. وقد حج إلى مدينة القنيطرة، لتشجيع فريق المدينة، جمهور غفير من أبناء القصر الكبير من مختلف أنحاء الوطن. وقد انتصر فريق القرض الفلاحي في هذه المباراة وصعد إلى القسم الوطني الثاني. وقد كان الفريق المنتصر أكثر استعداداً وتنظيماً، وطبق خطة لعب محكمة اعتمدت بالأساس على تقنية الشرود والهجمات المضادة، وكان انتصاره مستحقاُ.
وفي آخر مباراة من دوري البطولة بعصبة الشمال لكرة القدم، حين تأهل الفريق القصري على إثرها للعب تصفيات السد، حيث كان على موعد للعب مباراة مصيرية في ملعب السواني بطنجة، وقد وردت أخبار مقلقة تشي بأن المباراة مرشحة لتكون عنيفة داخل الملعب وخارجه، فتهيّب الجمهور الذي يرافق الفريق عادة، من السفر إلى طنجة، وساور القلق بعض اللاعبين، فكان على الحاج محمد بنونة أن يستخدم كل ما يملك من ذكاء وصبر ومكافآت مادية لرفع معنويات لاعبيه وتشجيعهم على المشاركة في المباراة، وكانت تكفيهم نتيجة التعادل للترشح لخوض غمار تصفيات السد. ولِما تحلى به
السي محمد بنونة من عزيمة وإصرار، فقد كان في طليعة مرافقي الفريق إلى ملعب السواني بطنجة، غير مبال بكل ما راج من أخبار حول العنف الذي كان ينتظر فريقه وجمهوره.
انطلقت المباراة في جو مشحون بالتهديد والوعيد، وأبان الفريق عن معنويات وروح رياضية عالية، أهلته للحفاظ على نتيجة التعادل السلبي التي كانت كافية لمروره إلى تصفيات السد. كانت فرحة الحاج محمد بنونة عارمة، عبر عنها في مدرجات ملعب السواني، غير مبال بمظاهر العنف اللفظي الذي كان يصدر عن جمهور الفريق الخصم. وكعادته، في حالة انتصار الفريق، فقد أجزل الرجل العطاء للاعبين وهنّأهم، واحداً واحداً، على صمودهم ومعنوياتهم المرتفعة وحبهم لفريق مدينتهم العريقة، وقد بدا، وهو يلقي كلمته المقتضبة صادقاً، مخاطباً قلوب وعقول اللاعبين والجمهور القليل الذي رافق الفريق، وقد انهمرت الدموع من عينيه دون أن يتمكن من كبحها، وهي دليل على صدق الرجل في الدفاع عن فريقه بصفة خاصة، ومن خلاله خدمة مدينته التي رأى فيها النور في بداية الثلاثينات من القرن العشرين، بحومة باب الواد، وقد فضّل العيش فيها والإخلاص لها، رغم أن إمكانيات مغادرتها قد توفرت له في كثير من المناسبات، لاسيما حين توسع مشروعه الاستثماري ومضمار تجربته الطويلة في ممارسة فن التصوير الفوتوغرافي الذي أبان فيه عن مهارات لا تخلو من إبداع بمواصفات ذكية. وقد حافظ السي محمد بنونة عن مخزون ثمين  يؤرخ لذاكرة المدينة بأحداثها التاريخية ووقائعها المتميزة على امتداد القرن العشرين، كيف لا وقد آل إليه استوديو ريكارد الذي عمل به منذ نعومة أظفاره، في بداية مشواره الطويل في ميدان الفن الفوتوغرافي، وهو الأستوديو الوحيد، آنذاك، في مدينة القصر الكبير.

الرباط 4 أبريل 2022.

 

 

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading