
بقلم : يوسف التطواني .
مع غضب الطبيعة وتمرد نهر اللوكوس على سده، اهتزت المدينة من أعماقها، فكانت ملحمة الخروج الكبرى. في الليالي الغارقة بالمطر والظلام، حملت الأسر أطفالها بين الذهول والصدمة، وكأن كل قطرة ماء كانت صرخة تسبق النكبة الكبرى، وكل نسمة ريح تحذّر من المصير المحتوم. كان الخروج وكانه بلا وعد بالعودة، كمدينة سدوم المنكوبة، حيث يُحرَّم النظر إلى الوراء، وإلا لحق العذاب كلَّ من يجرؤ على الالتفات.
تركت البيوت والذكريات، والأزقة التي تحتضن صدى الأجيال، والأرصفة التي نقش عليها الزمن خطواتهم، وانطلقوا نحو المجهول، والمدينة كلها انطفأت في الظلام الدامس وسكون الأشباح، وكأن تاريخها وجغرافيا وجدانها سيتبخر بلمحة بصر.
وجاء التيه ممتدا في بلاد الله الواسعة، والسفر نحو المجهول بلا موعد، حيث يعلو الصمت فوق هدير السيول، ويبتلع الليل الطويل كل بارقة أمل.
في السفر القاسي كان الحنين يلمع في العيون كنجمة بعيدة،وراء السحب الممطرة الداكنة الرمادية ، وكنداء صامت، وحيث يسكن الوجع كل نفس، وتتجسد الذكريات في صمت المطر البارد، وفي كل خطوة تخطوها الأقدام نحو المجهول.
ومع ذلك، وسط الأسى ولوعة الخروج، كان هناك شعاع خافت من اليقين: إرادة لا تنكسر، وصبر دفين، وإيمان بأن المدينة ستنهض من سيول الماء كفينق، وأن الحياة ستعود لتزرع الأمل بين أطلالها، مهما بدا كل شيء محطما أو ضائعا، وأن تلك الدروب البعيدة الرطبة في باب الواد والشريعة مسكونة منذ الأزل بهذا الوعد المحتوم بين مدّ النهر وجزره، وأن جنيات النهر الخفية وبنات الهسبريديس في لعبة سرمدية مع ساكنة الضفاف السفلى.
هذه القلعة القديمة يستحيل أن تندثر، هي من طين مسافر دومًا، وماء يعانق الجبال بالمحيط، وروح وذاكرة، ووصية قديمة ساكنة في نفوس سكانها، تنتظر من يكتب أسرارها من جديد،
من يزرع فيها الأمل حيث جرفت السيول كل شيء، ومن يحفظ لها تاريخها المنسي، مهما امتدت الليالي ومهما كانت قسوة الأحداث. فهي كالطائر الذي يخرج من الرماد، تعود لتطير، وتعلم الجميع معنى حب البقاء، والوفاء للديار، والقدرة على النهوض من جديد، مهما كانت قسوة الأحداث، مثل لعبة الحياة وحبها الخادع .
طبعا هنا تحت شجرة التفاح الذهبية بجوار القنطرة الشهيرة كتب الشاعر الخمار الكنوني وصيته وغاص مع الماء .
من نبعِ اللُّوكوس كان ديوانه
يجري مجرى الشمال
يحيا من «رماد هسبريس»
يعانقُ الأوبيدوم نوفوم
يُكسّر جدار الصمتِ
يُقرِّعُ المدى في الأفقِ
يغسلُ وجه القصر
شامخًا شموخ صرصر…….