
ذ. عبد المالك العسري :
هذه حلقة أخرى من السلسلة حيث لا يقاس التغيير بما شيد وانجز انما بما غاب تحت الماء كان السد يعد بالمستقبل، لكنه أيضا صار قبرا لمدشر باكمله ، غمرالماء أسمه ومقابره ومسالكه ويتحول الى فضاء مائي صامت وانتقال قاسي .
الصباب كان اسما محفورا في ارض قبيلة ال سريف المدشر الذي كان ينزل على سفح جبل يعتليه مدشر مغطير الى ان يصل الى ضفاف النهر واراضيه تمتد الى الضفة الاخرى منه ،كأنه اختار مكانه جيدا من جغرافية القبيلة ،شكل عبر تاريخه محطة توقف للقوافل التجارية مابين فاس وسبتة مرورا بالقصر الكبير ، ومدن الشمال ،ارض فيحاء وجنان وبساتين على ضفاف النهر اغرت بعض الفاسيين للاستقرار به فلا غرابة ان نجد اسماء اسر فاسية به كاسماء برادة ، الحسني ، الزناكي ، مواسم الحصاد كانت افراحا صغيرة ،وفرة المحاصيل جعلته محجا لفقراء القبيلة والقبائل الاخرى الذين يجمعون الزكاة
ويعود منه العطارون مثقلون بالحبوب تنوء بها حميرهم ، كانت الوفرة عادة الصبابيين خصوصا مواسم جني الرمان والزيتون حيث تظهر سعة اليد والانفاق بدون تبدير في السوق الاسبوعي تلاثاء تطفت وثلاثاء عرباوة واسواق اخرى ارتادها الصبابيون كانوا سباقين لبحبوحة العيش قبل ان تدخل افة الكيف مداشر القبيلة ، لم يتخيل اهل الصباب ان الماء الذي سكنوا اليه سياتي يوما ليبتلع المكان كله ، جاء الرحيل بطيئا ثقيلا ، لجان تزور المدشر احصاء للاراضي والاشجار ووعود بالتعويض الذي بقي معلقا لسنوات ، وجاءت ايام الرحيل ولملمة ما تيسر من المتاع ، وكأني بالرجال يقفون صامتين امام الجدران التي آوتهم واطفال لا يدركون لماذا تترك البيوت خلف الظهر ، كان الرحيل اشبه بجنازة دفن المكان ،وكاني بنساء المدشر في زيارتهن الاخيرة لضريح سيدي عمران الشريف الذي طالما تمسحن بجدرانه وحجره ويطفن حول قبور موتاهن في وداع اخير .
وعندما ارتفع الماء، لم يأتِ هادرا ،اتى هادئا، صامتا، غمرت المياه البيوت، الحقول، المسجد والمسيد وضريح سيدي عمران الشريف الذي عهد اليه الصبابون قبورهم ووعدهم بتفقد مواتهم .الى ان
انتقل الصباب الى عالم الغياب ،رفض الصبابيون عروض انتقال لمداشر اخرى ومنطقة العوامرة رفضوا كل ذلك ،تفرقوا وابتلعتهم المدينة .
الحنين الذي يسكن الصبابيون اليوم ،حنين إلى زمن ومكان كانا يمنحان أهله معنى الانتماء ، ففي كل حديث عن السد، يعود اسم الصباب، كذاكرة غارقة، تذكرنا بأن كل مشروع كبير يخفي تحته قصصا حزينة مؤلمة ، لكنها عميقة الأثر، الصباب الذي ادى ثمن تنمية المنطقة يظل في وجدان من تبقى من ابناءه وان الامكنة لا تموت ولو بالغرق بل تظل منتصبة في الذاكرة