
بقلم: د. محمد البدوي
هو الكريم إذا بدأ أتمّ، وإذا أعطى أدهش.
اليوم، وقد اكتملت الفرحة، وسعدت الأرض، وعمّت مدينة القصر الكبير نشوة الانتصار وسعادة الرجوع ودخول الفاتحين، كل القلوب تهفوا لتعانق جدران بيوت وحجرات غادرناها مكرهين، خائفين مذعورين، بل ولأول مرة نغادر المكان هربًا من الكارثة، وفرارًا من موتٍ محقق وشيك، قريب من فوهات السد.
وقد تكون المرة الأولى في هذه المدينة التي نزح كل سكانها وأصبحت قفرة موحشة إلا من كلاب وقطط تصول وتجول بين الأزقة والشوارع بحثًا عن الفتات من بقايا الطعام.
وربما لأول مرة في تاريخ هذه المدينة الضاربة في عمق التاريخ يتوقف فيها النداء الخالد، لا يسمع الآذان، وهي المدينة التي يتجاوز عدد مساجدها المائة والعشرين.
ولأول مرة يتراءى لي المسجد الأعظم منكّس الأعلام، كأنها القيامة، وكأن الحياة أوشكت على المغيب، وكأن ملك الموت على موعد مستعجل مع ساكنة مدينة القصر الكبير عن بكرة أبيهم، وكأنه ضرب معهم موعدًا لن يخلفه أبدًا.
سجدت سجود الشكر، وصليت صلاة فتح مدينة القصر الكبير، والمشهد يبدو لي قريبًا من مشهد دخول الحبيب المصطفى ﷺ مكة فاتحًا، وأمره بلال الحبشي العبد الأسود أن يصعد على ظهر الكعبة مؤذنًا يرفع صوته ولأول مرة فوق أعظم بقاع الأرض:
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.
وشرع المصطفى ﷺ في كسر الأصنام، الواحد تلو الآخر.
أما أنا فاستحضرت أني أمسك بعصى أضرب بها أوثانًا كنا على وشك أن نصدقها: أضرب صنم (السد سيلتهمنا)، ثم أمر على صنم (الوادي سيغرقنا)، ثم أعرج على صنم (منسوب السد قارب 180 في المائة)، وكذا أضرب بقوة ودون هوادة صنمًا آخر (سيصل الماء في أحياء المدينة وأزقتها 5.5 متر).
ولست أدري كيف حضرني هذا المشهد، ولم هذه المقارنة التي قد تكون بعيدة عن واقع الحال.
ويكأن الناس نجوا من هلاك محقق، ويكأن الحق سبحانه وتعالى كتب لنا في هذه المدينة حياة جديدة، ولكأني رجعت من عالم البرزخ، وكأني كنت قاب قوسين أو أدنى من القيامة.
وبدأت أتبين حقيقة هذه الدنيا الفانية، كم كنت من الأغرار، وأنا أهيئ نفسي لاقتناء كل ما يلزمني في رمضان، أتسوق مختلف أنواع الطعام والشراب، وكأني أضمن أن حياتي لا شك ستتجاوز رمضان، وإني ضامن البقاء.
حتى إذا دخلت اليوم مدينتي واكتحلت عيني برؤية الوادي، وكيف يبدو جميلا وديعا ورحيما، وارتسمت على جنباته مناظر طبيعية غراء تأخذ بالألباب، قلت في نفسي: كأن البارحة لم يكن، كأننا كنا في حلم.
هي إذن سفينة نوح، عليه وعلى نبينا السلام قد رست، والأرض ابتلعت ماءها والسماء قد أقلعت، قال تعالى:
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة هود: 44].
نزلنا من الفلك متمسكين بظلال قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾
[سورة فاطر: 34]
وكأن حوت يونس، عليه السلام، قد جعلنا في بطنه أسبوعين كاملين ونحن نتضرع لله ونكثر التسبيح وقراءة اللطيف ونردد الدعاء الخالد:
﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة الأنبياء: 87]
أشعر وكأن الله كتب لنا حياة جديدة، كأننا رجعنا من عالم الغيب، رجعنا إلى ربنا لعلنا نعمل صالحًا:
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾
[سورة فاطر: 37]
وها قد خرجنا من البلاء وحفظنا الله من غضب السد ومن بطش الماء، وكتب لنا حياة أخرى، والموت يومها غرقا كان أقرب إلينا من حبل الوريد لعلنا نعمل صالحا:
﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾
[سورة السجدة: 12]
ولسنا مجرمون كما هو سياق الآية، وحتى الآية السابقة من سورة فاطر، رجعنا منكسون قلوبنا خاشعة أفئدتنا، لا ملجأ ولا منجى منه سبحانه إلا إليه.
ونحن ندخل مدينة القصر الكبير التي سكنتنا قبل أن نسكنها، أحبتنا قبل أن نحبها، وأنا على عتبات ومدخل (أوبيدوم ) أرض معركة النصر وادي المخازن، على القنطرة فوق ذاك الشبح المخيف (وادي اللكوس) بدأت ذاكرتي تحمل لي بعضا من صور دخول الحبيب المصطفى ﷺ مكة المكرمة وقد أخرج منها، دخلها وهو العزيز.
وفي هذا اليوم العظيم ـ يوم الفتح الأكبر ـ دخل رسول الله ﷺ مكة وهو خافض رأسه تواضعا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن ذقنه ليكاد يمس واسطة الرحل، ودخل وهو يقرأ سورة الفتح مستشعرا نعمة الفتح وغفران الذنوب، وإفاضة النصر العزيز.
فهذا الفتح المبين يذكرني بماض طويل الفصول: كيف خرجت خائفا مذعورا؟ وكيف أعود اليوم منصورا مؤيدا فرحا مستبشرا؟، وأي كرامة عظمى حفنا الله بها؟ وكلما نستشعر هذه النعمة نزداد لله خشوعا وانكسارا، وانحناء وتواضعا.