
إهداء إلى كل الأمهات اللواتي فقدن فلذات أكبادهن وهم يعبرون إلى الضفاف الأخرى …
بقلم : الزهرة الحميمدي:
لا تغضبي مني يا أمي…
صباح الأمنيات الجميلة التي لم تتحقق…
صباحك عطر وسكر ،ورائحة قهوتك التي سترافقني أينما حللت وارتحلت…
أعلم أنك دخلت غرفتي ولم تجدي غير سرير فارغ، ووسادة تخبئ كل أحلامي وآمالي، وآلامي التي كنت أجترها كل ليلة وأنا أراك تتعبين من أجلي…
لا تغضبي مني يا أمي لأني لم أخبرك بالرحيل الذي كان أصعب قرار اتخذته في حياتي، والذي سيبعدني عنك يا أغلى ما لدي في هذا الكون . لقد قررت الرحيل وأنا لا أدري إن كنت سأجد في الغربة وطنا أجمل …و لأني تعبت من رؤية التجاعيد تزداد في وجهك، وأنا أعجز حتى عن شراء الدواء لك يا حبيبتي. تعبت من أن أعود إلى البيت كل مساء وأنا أحمل كل الخيبات، وكم أخجل من نظراتك حين تسألينني:
“هل وجدت عملاً اليوم؟”
فأجيبك بابتسامة كاذبة :
“غداً… إن شاء الله.”
وكنت أعرف، كما كنت تعرفين، أن الغد صار يؤجل نفسه كل يوم…أتذكرين يا أمي يوم بعنا خاتم أبي لنؤدي مصاريف الجامعة؟
كنت تقولين إن العلم سيغير حياتي صدقيني… لم يخدعنا العلم،لكن الحياة كانت أسرع من أحلامنا…
تخرجت وأنا أحمل شهادتي كما يحمل الجندي وساماً… ثم اكتشفت أن الشهادة وحدها لا تفتح الأبواب المغلقة!
ساكرامتي،والغربة،يا حبيبتي أني أخفيت عنك قرار الرحيل.كنت أعرف أنك إذا رأيت دموعي، ستمنعينني من الذهاب عنك بعيدا ، وأنا كنت أخاف أن أبقى…ليس خوفاً من الفقر ، بل خوفاً من أن ينكسر شيء في داخلي وأنا أراك تكبرين، ولا أستطيع أن أحقق لك أبسط أمنياتك …
إن عدت، سأقبل يديك ورجليك كما لم أفعل من قبل.وإن تأخرت، فلا تقفي كل مساء عند الباب،ولا تسألي البحر عني.
فالبحر، يا أمي، لا يعيد دائماً من يأخذهم إليه.
ادعي لي فقط بأن أصل بسلام إلى الضفة الأخرى ،فأنا لم أغادر حباً في الغربة، بل بحثاً عن حياة تحفظ كرامتي،وكرامتك يا حبيبتي .
ابنك الذي سيبقى يحبك إلى الأبد.