النخيل وهو يموت

18 سبتمبر 2026


القاص محمد الجباري.

من الصعب جداً أن أستوعب أن هذه القرية الصغيرة، في قلب هولندا، تعيش أجواء ما بعد الصيف، بينما الحرارة المفرطة التي تلفّ المكان هذه الأيام لم تعشها القرية أبداً.

لقد آلمني حدّ التعب حديث جارتي المسنّة.
رأيتها هذا الصباح واقفة في ظل شجرة، كانت تنتظرني هناك، كما تفعل دائماً، كي تحدثني. اتجهتُ نحوها.
حين اقتربت منها وجدتها متعبة. قالت بصوت بدا لي وكأنه قادم من مسافة بعيدة جداً:
«بالأمس ليلا كنت قريبة من الاختناق من شدة الحر، لولا سيارة الإسعاف التي جاءت في الوقت المناسب وزودتني بجرعة من الأكسجين… لم أكن أستطيع التنفس يا عزيزي.»

لا أدري لماذا تخيلت، في تلك اللحظة، القصر الكبير، وبالضبط منزلنا في حي سيدي عقوب، في زمن التلفزيون بالأبيض والأسود.
ما بال الذاكرة تسافر بي كل هذا الزمن وكل هذه المسافة؟
هل تأتي لتوقظ الشوق في قلبي، أم أنها ترتب لي، بمكر، مواعيد لأشجان نائمة تريد أن توقظها في نفسي؟
ما أقساك أيتها الذاكرة… أما رفقتِ بي يوماً؟

الحرارة المفرطة التي كان يشعر بها الطفل سيدي حميد جعلته أياماً لا يذهب إلى المدرسة.
كان جسده الهزيل أشبه بحمّة نار مشتعلة، وقد حوّل السرير الذي يرقد عليه إلى صفيحة معدنية ملتهبة.
لم يكن الصبي يستوعب كثيراً مما يدور حوله. كان يهذي فقط.
ترى، هل كان يحدث عوالم أخرى غير الدنيا؟
هل كان هذا البيت، الذي فقد الأب قبل سنوات قليلة، يستعد هذه المرة لأن يفقد حجراً آخر من عقده؟ فقد بدأت أحجاره تتساقط واحداً بعد آخر.

«شعرتُ أنني أختنق، وكنت في حاجة إلى الهواء.»
هكذا قالت جارتي الهولندية وهي تضع كفها حول عنقها وتلمس حنجرتها.
لا أدري لماذا بلعت ريقي في تلك اللحظة، وكأنني أطمئن إلى أن حلقي ما زال في مكانه.

وفي مكان آخر، قبل عقود طويلة، كان سيدي حميد يشعر بشيء بارد في حلقه حين وضع طبيب البلدة، أعتقد أن اسمه «هارنيت»، آلة منظار داخل فمه.
صاح الطبيب، بعد أن فحصه:
«الطفل يعاني من الدفتيريا… يحتاج إلى حقنة حالاً، وقنينة أكسجين… والكثير، الكثير من الدعاء.»

الجارة الهولندية لم تكن تحتاج إلا إلى الهواء، وتجاوزت مرحلة الخطر.
أما الصبي، فعلى الرغم من الحقنة وجرعة الأكسجين، ظل جسده يرتجف، تارة من شدة السخونة، وتارة من شدة البرد.
وفي مكان قريب منه، كانت أم الصبي تراقب، بذعر شديد، الموت وهو يزحف نحو طفلها.
المرأة، في مثل هذه اللحظات، يستعصي عليها الجلوس، وتصبح السكينة شيئاً مستحيلاً.


السيدة هاجر…
أي قدر شاق وصعب حلّ بكِ؟
طفلك إسماعيل يبكي من شدة الحر.
ما أشقى امرأة أمام العجز!
إن الشعور بالعجز فظيع جداً، ولأنها لم تكن تستطيع أن تبقى متفرجة، آثرت أن تهرول… أن تجري بحثاً عن شيء لا تعرفه.

أم الصبي ايضا تصعد تارة إلى السطح، ثم تهبط مسرعة إلى المطبخ. تهيئ قطعة قماش مبللة، تضعها على جبين الصبي المحموم، ثم تهرول في اتجاه آخر من البيت، لا تعرف إلى أين.
لم تدرِ من أوحى إليها أن تحمل الصبي فوق ظهرها وتتجه إلى الضريح القريب.
كان بجانب الضريح بئر، يحرسه النخيل.
رمت الأم الدلو في جوف البئر.
انتظرت.
ثم صعد الدلو، وفيه ماء زلال بارد.
سكبته على رأس الصبي ووجهه وأطرافه، فرفق الماء بجسده الملتهب.

كانت هاجر قد أكملت سبعة أشواط من الهرولة بين الصفا والمروة، حين انفجر بئر زمزم.
ارتوى إسماعيل، وارتوت أمه هاجر.

وفي مكان آخر من الحكاية نام في تلك الليلة سيدي حميد نوماً عميقاً. وحين بدأ الفجر يتسلل إلى البيت، سمع أذان الصبح قادماً من الضريح القريب، من حيث البئر الذي تغطيه أشجار النخيل.

في زمن القبح والجهل، استيقظ الناس على ضجيج الآلات.
تجمهروا أمام الضريح.
كانت الآلات قد جاءت من أجل أن تبيد النخيل.
نظر الناس إلى النخيل، ثم إلى الصومعة التي تتوسطه.
كان أهل القصر الكبير قديماً قد جعلوا من تلك الصومعة، وهي تتوسط باقة من النخيل، علامة وحارساً للمكان.
كان النخيل جزءاً من المشهد، وجزءاً من الذاكرة.
قال كبيرهم:
«النخيل خطر… يجب اجتثاثه. سنغرس نخلاً مكانه.»
نظرتُ إلى الرجل.
ثم نظرت إلى النخيل.
لم أفهم كيف يمكن لشجرة أن تكون خطراً، وكيف يمكن لذاكرة أن تُستبدل بشجرة أخرى.
وبينما كانت المناشير تستعد لأول جذع، عاد إليّ الصبي.
سيدي حميد .
عاد إليّ جسده الصغير، وهو يحترق من الحمى.
وعادت هاجر.
رأيتها تهرول به فوق ظهرها، تبحث عن ماء لا تعرف أين تجده.
رأيت الدلو وهو يهبط في جوف البئر.
ورأيت الماء يصعد.
ثم رأيت النخيل.
النخيل الذي كان يحرس البئر.
النخيل الذي كان يحرس الضريح.
النخيل الذي كان، بطريقة لا أفهمها، يحرس طفولتي.
سقطت النخلة الأولى.
سمعت صوتاً يشبه الأنين.
ولم أدرِ أكان صوت النخلة وهي تسقط، أم صوت الذاكرة وهي تُقتلع.
وفي تلك اللحظة رأيت أمي…
كأنها ما تزال تركض.
ثم فهمت أخيراً لماذا قادتني الذاكرة هذا الصباح، من قرية صغيرة في هولندا، كل تلك المسافة وكل ذلك الزمن.
لم تكن تريد أن تذكرني بالحر.
ولا بالمرض.
ولا حتى بالطفولة.
كانت تريد فقط أن تريني…
النخيل وهو يموت.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading