
د .حسن اليملاحي
مرت الأيام والأسابيع من دون أي جديد يذكر إلى أن التقيت بالصديقة ميريا وأنا في الطريق إلى شارع الدياغونال .كان ذلك في صباح باكر من صباحات برشلونة الجميلة، وأنا أهم بعبور الشارع في اتجاه منطقة سانت مارتي غير بعيد عن مقر عملي، أما هي فقد كانت متجهة إلى مصرف “كايشا بانك”حيث مقر عملها.
كم فرحت بلقائها ذلك اليوم لأنها من النساء الكاتالانيات اللواتي أعتز بصداقتهن، أعتز بها لأنها امرأة نبيلة وصاحبة مبادرات وتقوم ببعض الأعمال الخيرية لفائدة المستضعفين والمهاجرين غير الشرعيين الذين لا يملكون أوراق الإقامة ويعيشون على الهامش . أجمل ما يروقك في شخصية ميريا أنها تحب الحياة على الرغم من تقدمها في السن، وتختار لنفسها أغلى العطور وأزهى الثياب التي تجمع بين الذوق الكلاسيكي واللمسة الأوروبية الحديثة. وأنت تنظر إليها ، يخيل إليك كما لو كنت أمام امرأة أربيعية العمر. هكذا أخال النساء الكاتالانيات، وميريا لا تختلف عنهن في شيء.
ونحن نتجاذب أطراف الحديث بيننا ، سألتني عن علاقتي بأسبيرانسا. لاأخفي أن سؤالها هذا جعلني أتجمد في مكاني من شدة المفاجأة. كان لا بد أن أمهل نفسي قليلا من الوقت حتى أجيبها. ولكي أتجاوز هذا المأزق الذي وضعت فيه مكرها، وجدتني أبادلها السؤال بالسؤال عن كيفية علمها بعلاقتي مع أسبيرانسا. ترى هل تكون قد رأتني يوما ما من تلك الأيام التي كنا نخرج فيها معا ، أم إن أسبيرانسا حكت لها بدقة عن كل تفاصيل علاقتنا الفتية. المهم لن أخبرها بكل التفاصيل، قلبي يقول لي إنها على علم بذلك، ولن أخبرها بأن علاقتنا قد دخلت في حالة من الجمود بسبب ما حصل بيننا من سوء تفاهم في اللقاء الأخير، لن أخبرها لأن هذه مشكلة بسيطة تحدث في بين الرجال والنساء.
أمام إصرارها الشديد على معرفة واقع علاقتنا ، أخبرتها بلطف بأننا أكثر من أصدقاء منذ مدة، وبأنني أفتخر بصداقتها الحقيقية والجميلة التي أسعدتني وولدت لدي الحبور. وأنا أسترسل في الشرح مثل أستاذ صغير، أنبأتني ميريا بأن أسبيرانسا قد زودتها بكل التفاصيل، وبأنهما صديقتان منذ أيام كوليج سانتا إيزابيل، ولكي تنهي حديثها إليّ، طلبت مني الانتباه إلى نفسي والاهتمام بأسبيرانسا لأنها امرأة جميلة الروح والأخلاق والطبائع، وبأني مهما بحثت عن عزيزة فإنني لن أجد امرأة أعز وأنبل منها. لم يكن يخطر ببالي أبدا بأني صديق لامرأة تجتمع فيها كل هذه الصفات والمحاسن وهو ما لم أدركه على الرغم من الأيام والأسابيع والشهور التي أمضيناها معا. وقبل أن تواصل سيرها في اتجاه مقر عملها، ضربت معي موعدا للالتقاء ثانية في مقهى إلفورنيت الكائنة بشارع البو كلاريس وهي من المقاهي الكلاسيكية المحترمة المعروفة بهدوئها المعتاد وخدماتها المتنوعة. قبل الموافقة على دعوتها الكريمة، وجدتني أتردد في قبولها لأني لا أملك من الوقت كثيرا في ظل ظروف العمل الجديدة وضغط البرامج التي أصبحت تغطي تقريبا كل الأيام لأننا مقبلون على العطلة السنوية، ولذلك ينبغي علينا مراجعة وإنجاز كل الملفات العالقة.
لم أكن أتصور بأني سأكون على موعد جديد مع أسبيرانسا – بعد القطيعة – في نفس اليوم الذي حددته معي ميريا، للقلب الحق في المفاجأة كما يقال. هكذا وجدتني أجلس وجها لوجه أمامها ، وقبل ذلك كانت قد سلمتني باقة ورد وهي كناية عن مشاعر حب قوية تحتفظ بها المرأة تجاهي. ترى ما الذي حدث تحديدا، هل خططت ميريا بما تملكه من ذكاء اجتماعي وحس إنساني – بتنسيق مع صديقتها – لهذا اللقاء المفاجئ، أم إن أسبيرانسا قررت هكذا وبطواعية الحلول بهذه المقهى لإذابة الجليد وإعادة الدفء لعلاقتنا الفتية؟
أعلم بأنها تعلم بأني – بين فينة وأخرى – أرتاد هذه المقهى إما لكي أرتاح قليلا من شدة تعب العمل أو لتناول وجبة خفيفة كلما عدلت عن العودة إلى البيت كسبا للوقت.
لاأخفي أني كدت أن أغرق في الخجل جراء ما حدث لي معها سابقا بعد أن انسحبت من لقائنا الأخير تاركا إياها وحيدة في كافيس إليسا . أعترف أني كنت مذنبا ومتسرعا أكثر من اللازم من دون أن يعني هذا أنها لا تتحمل المسؤولية في ما حصل وما تخلل ذلك من برودة في المشاعر. كان بإمكاني مغادرة الجلسة، لكنني بهذا سأكون قد زدت الجرح عمقا في الوقت الذي جاءت فيه أسبيرانسا تبحث عني حاملة لي باقة حب أحمر، باقة تنطوي على أسمى مشاعر الحب والإخلاص.