
بقلم لحسن الشرقاوي
تتحول المقاهي المغربية، مع كل مباراة يخوضها المنتخب الوطني، إلى فضاء يعكس طبيعة العلاقة بين منطق السوق ومقتضيات القانون. ففي الوقت الذي تعمد فيه بعض المقاهي إلى رفع أسعار المشروبات والخدمات بشكل مفاجئ، مستغلة الإقبال الكبير للمشجعين ورغبتهم في متابعة المباريات، تختار مقاهٍ أخرى الالتزام بالتسعيرة المعتادة دون أي زيادة. ولا ينبغي النظر إلى هذا السلوك باعتباره مجرد مبادرة أخلاقية أو وسيلة دعائية لاستقطاب الزبائن، بل إنه يجد أساسه في مبادئ قانونية تؤطر العلاقة بين المهني والمستهلك، وتضمن تحقيق التوازن بين حرية النشاط الاقتصادي وحماية الحقوق.
من حيث المبدأ، يقر التشريع المغربي بحرية الأسعار باعتبارها أحد تجليات حرية المبادرة والمنافسة داخل السوق. ويمنح القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة للمهني حرية تحديد أثمان السلع والخدمات التي يقدمها. غير أن هذه الحرية ليست حقاً مطلقاً، وإنما تمارس في إطار احترام قواعد النظام العام الاقتصادي ومبادئ الشفافية وحماية المستهلك، بما يمنع استغلال الظروف الاستثنائية أو حاجة المستهلك لفرض زيادات غير مبررة.
وتتجلى أهمية هذه الضوابط من خلال أحكام قانون الالتزامات والعقود، الذي ينظم العلاقة التعاقدية بين المقهى والزبون. فبمجرد دخول المستهلك إلى المقهى وطلبه لخدمة معينة، تنشأ علاقة تعاقدية ملزمة للطرفين. كما أن لائحة الأسعار المعلن عنها داخل المقهى لا تمثل مجرد بيان إخباري، بل تعد إيجاباً ملزماً يلتزم به المهني، ويكتسب قوة قانونية استناداً إلى الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود، الذي ينص على أن الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى أطرافها. ومن ثم، فإن تغيير الأسعار بصورة مفاجئة أثناء المباريات، دون إعلان مسبق أو مبرر مشروع، يعد إخلالاً بمبدأ استقرار المعاملات وحسن تنفيذ الالتزامات.
ويتعزز هذا التوجه مع أحكام القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، الذي جعل من الحق في الإعلام والشفافية أحد أهم الحقوق الأساسية للمستهلك. فقد ألزم المشرع المهني بإعلام الزبون بالثمن الحقيقي للخدمة بصورة واضحة ومسبقة، ومنع كل ممارسة من شأنها الإضرار بالمصالح الاقتصادية للمستهلك أو التأثير في حريته في الاختيار. وبالتالي، فإن رفع الأسعار فقط بسبب الإقبال الكبير على متابعة مباراة رياضية قد يشكل ممارسة تجارية غير مشروعة، إذا كان الهدف منه استغلال ظرف استثنائي لتحقيق أرباح على حساب المستهلك، وهو ما يتعارض مع مبادئ العدالة التعاقدية وحسن النية التي يقوم عليها القانون الخاص.
ومن هذا المنطلق، فإن المقهى الذي يحافظ على أسعاره المعتادة خلال المباريات لا يقوم بعمل تفضلي أو إحساني، وإنما يلتزم بما تفرضه عليه القواعد القانونية والأخلاق المهنية. فهو يحترم العقد، ويكرس مبدأ الشفافية، ويعزز الثقة التي ينبغي أن تقوم عليها العلاقة بين المهني والمستهلك. كما يقدم نموذجاً لممارسة اقتصادية مسؤولة، تثبت أن تحقيق الربح لا يتعارض مع احترام القانون، بل إن الالتزام بالقانون يعد في حد ذاته استثماراً في المصداقية واستدامة النشاط التجاري.
وفي الختام، فإن التوفيق بين حرية المبادرة الاقتصادية وحماية المستهلك يمثل إحدى الركائز الأساسية لدولة القانون. فحرية الأسعار لا تعني إطلاق العنان للمضاربة أو استغلال الظروف الاستثنائية، وإنما تظل مقيدة بمبادئ الشفافية وحسن النية واحترام الالتزامات التعاقدية. لذلك، فإن المواطنة الاقتصادية الحقيقية لا تقاس بحجم الأرباح المحققة في المناسبات، وإنما بمدى الالتزام بالقانون وصيانة حقوق المستهلك، لأن احترام القانون هو الأساس الذي تبنى عليه الثقة والعدالة داخل المجتمع. فإذا كانت “ديما مغرب” شعاراً نرفعه في الملاعب، فالأجدر أن يكون سلوكاً نمارسه في معاملاتنا اليومية. لأن المواطنة الحقيقية تبدأ حين نختار القانون على حساب الربح السريع.