
ـ ذ . ادريس حيدر :
أيها القارئ العزيز ، أستمر في نشر هذه المحاولات الإبداعية مؤقتا و العودة فيما بعد إلى يوميات محامي .أتمنى أن يروقكم هذا النص .
بقلم : ذ . ادريس حيدر
ذهان Psychose.
كان الوقت ظهيرة ، و درجة الحرارة مرتفعة ، تكاد تحبس الأنفاس .
كنتُ متعبا و في عجلة من نفسي ، و كان جسدي يرغب و يحتاج إلى الراحة و بعض الرطوبة .
التجأت إلى إحدى المقاهي لعَلِّيَ أجد ضالتي في إحدى أركانها .
و بمجرد ولوجها ، شعرتُ ببعض الراحة ، نظرا للرطوبة الخاصة التي غالبا ما توجد في البنايات القديمة ، أو في طبقاتها السفلى .
المكان كان تقريبا مهجورا و فارغا إلا من النادل ” الحزين” و ” الكئيب” و الذي كان يجلس في إحدى زوايا المقهى ، و آخر و الذي كان يُعِدُّ الطلبات المتعلقة ب: الشاي ، القهوة ، الماء …الخ .
كان الصمت ، في ذلك المكان ، مطبقا و رهيبا .
كانت الطاولات و الكراسي ، موضوعة بأشكال مبعثرة و غير منظمة .
لم أكن أرغب في الكلام مع الغير ، و بالتالي رفعتُ أصبعي مثيرا انتباه النادل ، الذي تقدم نحوي ، فأشرتُ له بأصبعي في اتجاه صورة كبيرة ، كانت تزين أحد حيطان المقهى ، بها فنجان قهوة .
فهم الطلب بسرعة ، طأطأ رأسه و انصرف .
كانت خطواته متثاقلة ، فيما كانت بذلته ، تبدو و كأنها لرجل أطول و أعرض منه ، حيث كانت متراخية و مترهلة من كل أطرافها .
تأخر كثيرا في إحضاره فنجان قهوتي ، حتى ظننتُ أنها كانت تُعَدُّ في مقهى آخر .
حولت طرفي نحو الاتجاه الذي قصده النادل ، فإذا بي أشعر بدبيب في جسمي و بعض الغشاوة على عيني تعيق رؤيتي .
اندهشتُ و ارتعبتُ ، كان الرجل يبدو لي و كأنه يزحف على بطنه ، متجها نحوي ، برأس تشبه وحيد القرن تارة ، و رأس تمساح تارة أخرى ، ثم بعد برهة ، كان يستوي و يصبح ذاك النادل الذي طلبتُ منه إعداد فنجان قهوة .
حوَّلتُ نظري إلى جهة أخرى من فضاء المقهى ، كانت الكراسي و الطاولات معلقة في سقفه .
تساءلتُ :” يا إلهي ! ماذا يحصل لي ؟”.
هرولتُ و خرجتً من المقهى ، لألقي نظرة على ما يقع خارجه . كان كل شيء عادي و طبيعي .
رجعتُ ثانية إلى مكاني ، كان النادل قد وضع فنجان القهوة على الطاولة التي كانت بالقرب مني و انصرف ثانية .
رشفْتُ منه جرعة ، طمعا مني في إعادة توازني و اعادة الضغط إن كان غير عادي الى طبيعته .
كان صوت أحد المطربين يصدح من التليفزيون ، و كان يغني …
فجأة قفز من الجهاز و استوى أمامي و هو يردد :
” لهلا يزيد كثر !”.
اختنقت و بدأ العرق يتصبب من جبيني ، و شعرت بانقطاع التنفس ، و في هذه الأثناء بدأ الارتعاش يغزو كل جسدي .
لم أعد أحتمل هذه الوضعية المرعبة التي لم أكن أجد لها تفسيرا .
نهضتُ من مكاني ، و عدوتُ في اتجاه الشارع ، و انصرفت مهرولا إلى جهة غير معلومة ، مبتعدا عن ذلك المكان و هاربا خائفا و مذعورا من لحظات الرعب التي عشتها هناك .