
د. عز الدين محمد البدوي
ليس كلُّ مشهدٍ عابرٍ يُنسى، فبعضُ المشاهد يولد ليكون محكمةً أخلاقية، وشهادةَ إدانةٍ صريحة، وجرسَ إنذارٍ يوقظ ما تبقّى من ضمائر.
هناك لحظاتٌ لا تحتاج إلى خطبٍ ولا بيانات، يكفي فيها علمٌ يُرفَع، ويدٌ شابةٌ لا ترتجف، وملعبٌ يتحوّل إلى منبرٍ، لتسقط الأقنعة، ويُعرّى الخوف، ويُفتضح التواطؤ.
وعلى جناح السُّرعة، استوقفني مشهدٌ جميل؛
مشهدٌ تقشعرّ له الجلود والقلوب، بل وحتى لحوم وعظام المُطبِّعين والمرجفين.
مقطعُ فيديو يُظهر الأسطورة الكروية الشابة لامين جمال وهو يرفع العلم الفلسطيني، في لحظةٍ موثَّقة بالصورة، تختصر موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون لقطةً احتفالية، احتفالًا بتتويجه رفقة فريقه برشلونة بلقب بطولة الجارة إسبانيا.
إسبانيا التي قالت : لا في وجه ترامب والنتن المنتن ياهو
إسبانيا بيدرو سانشيز، إسبانيا الشهامة والكرامة،
إسبانيا التي منعت السفن الحربية الصهيونية والأمريكية من الرسوّ في موانئها،
إسبانيا التي وقفت مع غزة، وواجهت الإبادة الجماعية بحقّ الشعب الفلسطيني،
إسبانيا التي اختارت مبكرًا الطريق الصواب، وكانت سبّاقة إلى صناعة موقف مشرّف، كُتب في سجلّ التاريخ الإنساني الحديث بمدادٍ من ذهب، وبقلمٍ من ألماس.
هذا المشهد هزّني من الداخل، وأثار في قلبي سؤالًا مُلحًّا، أحدث في روحي رجّةً عميقة، فقلتُ متسائلًا:
هل كان سيُسمَح للاعبنا جمال، لو اختار الفريق الوطني المغربي، أن يرفع علم فلسطين؟
أم أن مصيره – لا محالة – سيكون كمصير النجم القائد الحكيم حكيم زياش، إن هو تجرّأ وفعلها؟
تسلّل إليّ هذا الاحتمال، وفرحتُ – رغم مرارته – لأن هذا البطل الصاعد الواعد اختار إسبانيا، لا حبًّا في إسبانيا لذاتها، ولكن حبًّا في الشهامة، والكرامة، والحرية، والعدالة، والانعتاق من ربقة الصهينة والتطبيع والتضبيع، الذي أصاب معظم بلداننا، ونحن اليوم نكتوي بناره ونتجرّع مرارته.
حبُّ الوطن من الإيمان، ولن نحيد عنه قيد أنملة، ولنا في الحبيب المصطفى ﷺ – وهو القدوة والأسوة – خير مثال.
«وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»
رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه.
«مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ»
رواه الترمذي وصححه.
هذا الحديث العظيم – وغيره – يسكنني، ويزيدني حبًّا في وطني، وكأنني أهتف في داخلي:
لو لم يُدنَّسك الصهاينة والمُطبِّعون، الذين جعلوا هذا الوطن مرتعًا خصبًا لقتلة الأطفال، لكنتَ – بمواقفك – أفضل من الجارة إسبانيا.
ونحن لنا هناك بابٌ وحارة، وكان البطل صلاح الدين الأيوبي يحبّنا، ويجلّنا، ويعتمد علينا في تحرير مسرى نبينا محمد ﷺ.
واليوم، وأنا أتابع أجواء الفرجة والفرحة العارمة، التي ضجّت بها أعظم شوارع برشلونة في يوم مشهود، وفي احتفال أسطوري يليق بأبطال الدوري الإسباني، أعاد إليّ هذا المشهد ما عشناه قبل أشهر في تظاهرة إفريقية، كان يليق بها أن تكون متميزة في الروح والمعنى، كما كُتب لها أن تكون متميزة في الشكل.
سرح بي الخيال، وقلت:
ماذا لو تُركت الجماهير المغربية على سجيّتها، تتغنّى – كعادتها – في التظاهرات الكروية، بما جادت به القريحة، دون قيود أو خطوط حمراء؟
ماذا لو سُمح للمشجعين – وربما كان حلمي وحلم كثير من المغاربة – أن نحظى بشرف متابعة مباراة للمنتخب الوطني، أدخل الملعب وأنا أتوشّح كوفية، فيها علم بلدي، وعلم فلسطين جنبًا إلى جنب؟
وماذا لو تُركت الجماهير تتغنّى بأغاني الرجاء البيضاوي:
الحبيبة يا فلسطين… آه يا عين!
يا زينة البلدان…!
لماذا كان المنع والتضييق على المشجعين، وكأننا في تظاهرة تُنظَّم في قلب تل أبيب، لا في الرباط والدار البيضاء وطنجة؟
لماذا يأبى المسؤول إلا أن يحرم المغاربة نشوة الفرجة والفرحة، في مدرّجات ملاعب تنتمي لهذا الوطن؟
ولماذا نُحرَم الفرح في قلب العاصمة، ونبحث عنه في مدرّجات كبريات ملاعب مدريد وبرشلونة وبيلباو؟
لقد كتبتُ سابقًا عن دهشتي من كثرة الأعلام الفلسطينية التي تُزيّن آلاف شرفات الشقق والمساكن في بيلباو، وقلت: لماذا تُلاحقنا لعنة الصهاينة في كل القطاعات؟ حتى الرياضة لم تسلم من التطبيع والتضبيع.
خرجنا من كأس إفريقيا بخُفّي حُنين، وقد أصابتنا لعنة التطبيع؛
إنها لعنة منع الجماهير المغربية من الهتاف، مساندةً لغزة، وتنديدًا بالمجازر الوحشية للكيان.
وختاما لسنا في حاجة إلى دروسٍ في الوطنية، ولا إلى شهادات حسن سلوك من أحد، لكننا في حاجة ماسّة إلى شجاعةٍ تُشبه شجاعة لاعبٍ شابٍّ رفع علم الحق دون حسابات.
فالتاريخ لا يخلّد الصامتين، ولا يرحم المتواطئين، بل يكتب أسماء الأحرار الذين قالوا «لا» حين كان قولها ثمنًا، ورفعوا الراية حين كان رفعها مخاطرة.
يومًا بعد يوم، ومحطةً بعد محطة، وحدثًا عقب حدث، أزداد يقينًا بأن الكرامة لا جنسية لها، وأن فلسطين ميزانٌ أخلاقيٌّ لا يخطئ.
وأزداد – رغم الألم – حبًّا في إسبانيا التي سمحت للعلم أن يُرفَع، وللضمير أن يتنفّس، وللحقيقة أن تُقال…
في زمنٍ صار فيه الصمتُ خيانة، والكلامُ تهمة، والحقُّ جريمة.