المدينة ‘ لوحة تشكيلية ‘ : – أحمد الشواي

22 أغسطس 2026


أحمد الشواي:

  • من منظور “فان غوخ” و” بيكاسو” و ” أحمد الشرقاوي ” –
    ( قراءة في الذاكرة العمرانية والثقافية والفنية الانسانية بين الباحث والفنان )

بقلم : أحمد الشواي

ليست المدينة مجرد أبنية وشوارع وساحات:
” المدينة، في معناها الأعمق، ذاكرةٌ مرئية.”

حين نمشي في مدينة قديمة، لا نرى الحجر وحده؛ نرى ما تركه الإنسان فوق الحجر: طريقة بناء، شكل باب، لون جدار، انحناءة زقاق، زخرفة، نافذة، ساحة، مسجدًا، سوقًا، أو بيتًا يبدو للوهلة الأولى عاديًا، لكنه يحمل في تفاصيله جزءًا من حياة أجيال كاملة.
ومن هنا يمكن أن نقترب من المدينة كما نقترب من اللوحة.
فان غوخ لم يكن يرسم الطبيعة لكي يقلدها. كان يبحث عن الإحساس الكامن وراءها. الأشجار والحقول والسماء والليل لم تعد عنده مجرد موضوعات للرسم، وإنما أصبحت لغة يعبر بها عن عالم داخلي.
أما بيكاسو، فقد ذهب في اتجاه آخر. لم يعد يرى الأشياء من زاوية واحدة، بل فككها وأعاد تركيبها، وكأن العين لا تكتفي بما تراه لأول مرة، وإنما تحتاج إلى أن تكتشف الشيء من جديد.
ثم يأتي أحمد الشرقاوي في سياق مختلف تمامًا، ليطرح سؤالًا قريبًا من ذلك، ولكن من داخل الذاكرة المغربية: ماذا يحدث عندما تتحول العلامة الثقافية ــ الوشم، الزخرفة، النسيج، الرمز ــ من عنصر تراثي إلى لغة تشكيلية حديثة؟
هنا تبدأ علاقتنا بالمدينة.
فالمدينة المغربية القديمة، هي الأخرى، لم تكن مجرد تجمع عمراني. كانت نظامًا بصريًا وثقافيًا متكاملًا.
الباب لا يؤدي وظيفته فقط؛ إنه يقول شيئًا عن صاحبه.
والزقاق ليس مجرد ممر؛ إنه ينظم العلاقة بين الخصوصية والجماعة.
والساحة ليست فراغًا عمرانيًا؛ إنها مكان للقاء والحوار والاحتفال.
والزخرفة ليست ترفًا؛ إنها ذاكرة بصرية انتقلت من جيل إلى جيل.

لهذا يمكن أن نقول إن الإنسان المغربي كان “يرسم” مدينته دون أن يحمل فرشاة.
كان يرسمها بالحجر، والخشب، والجص، والزليج، والألوان، وبطريقة توزيع الأبواب والنوافذ والفضاءات.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى القصر الكبير بوصفه لوحة عمرانية تشكلت عبر طبقات زمنية متراكمة.
فالمدينة التي عرفها الأجداد ليست هي المدينة التي نعيشها اليوم، لكنها لم تختفِ تمامًا.
ما زالت بعض آثارها موجودة في الشوارع، وفي أسماء الأماكن، وفي بعض البيوت، وفي الذاكرة الشعبية، وفي الحكايات التي يتناقلها السكان.
إنها أشبه بلوحة أعيد رسمها مرات كثيرة.
كل جيل أضاف إليها شيئًا، وربما محا شيئًا آخر، لكن الطبقات القديمة بقيت، ولو بصورة غير واضحة.
وهنا تصبح مهمة الباحث في العمارة والتعمير قريبة من مهمة الفنان.
الفنان يحاول أن يرى ما لا يظهر بسهولة.
والباحث في المدينة يحاول أن يقرأ ما تخفيه الأبنية.

كلاهما يبحث عن المعنى خلف الشكل.
وكما أن لوحة الشرقاوي لا تختصر في أشكالها وألوانها، فإن المدينة لا تختصر في مبانيها.
وراء الشكل توجد ذاكرة.
وراء الذاكرة توجد ثقافة.
وراء الثقافة يوجد الإنسان.
وهنا يمكن أن نفهم الفرق بين حفظ التراث وقراءة التراث.

حفظ مبنى قد يعني الإبقاء على جدرانه.
لكن قراءة المبنى تعني فهم لماذا بُني بهذه الطريقة، ومن عاش فيه، وكيف استُعمل، وما الذي كان يعنيه لأهل المدينة.
وهذا هو التحدي الحقيقي:

فالمدينة التي نحافظ عليها دون أن نفهم ذاكرتها قد تتحول إلى مجرد متحف.
أما المدينة التي نفهم ذاكرتها، فيمكن أن تستمر في الحياة.
لهذا فإن دراسة القصر الكبير، مثلًا، لا ينبغي أن تتوقف عند تاريخ تأسيسه أو عدد مبانيه أو مراحل توسعه العمراني.
ينبغي أن نسأل أيضًا:
كيف كان السكان يرون مدينتهم؟
كيف كانت المرأة تعيش فضاءها؟
كيف كان الطفل يكتشف الأزقة والأسواق والساحات؟
كيف كانت العمارة تعكس العلاقات الاجتماعية؟
كيف أثرت التحولات السياسية والاقتصادية في شكل المدينة؟
ماذا بقي من المدينة القديمة في الذاكرة؟
وماذا اختفى؟
وماذا يمكن أن نستعيد منه دون أن نحول الماضي إلى نسخة مصطنعة من نفسه؟
ربما هنا تحديدًا يصبح الفن وسيلة لفهم العمران.
فالفنان لا يحفظ الماضي كما هو؛ بل يعيد اكتشافه.
وهذه هي القيمة التي يمكن أن نستفيد منها في قراءة الذاكرة العمرانية المغربية.

فان غوخ علّمنا أن الطبيعة يمكن أن تُرى من الداخل.
وبيكاسو علّمنا أن الشيء الواحد يمكن أن يُرى من أكثر من زاوية.
والشرقاوي علّمنا، في تجربته الخاصة، أن العلامة التراثية يمكن أن تولد من جديد داخل لغة حديثة.

أما المدينة،
فتدعونا إلى أن نفعل الشيء نفسه:

أن نراها لا بعين السائح، ولا بعين المهندس وحده، ولا بعين المؤرخ وحده، وإنما بعين الإنسان الذي يريد أن يفهم ماذا بقي من نفسه داخل المكان.
وعندها لا تعود القصر الكبير مجرد مدينة نبحث في تاريخها.
تصبح نصًا مفتوحًا.
نقرأه في الحجر، وفي الأبواب، وفي الأزقة، وفي الذاكرة الشفوية، وفي صور الماضي، وفي التحولات العمرانية التي صنعت حاضرها.
وقد يكون أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه مدينة قديمة ليس أن نقول:
“هكذا كانت.”
بل أن نسأل:
“ماذا بقي منها فينا؟”
فربما تكون المدينة الحقيقية هي تلك التي لا تسكنها فقط…
بل تسكنك أنت أيضًا.

ح.23/08/2026

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading