
– الأديب : محمد الجباري
لا أدري من أين جاءتني تلك الذكرى بعد كل هذه السنين.
فجأة، ومن دون مناسبة، تذكرت حديثًا دار بيني وبينها منذ أكثر من أربعين عامًا.
كنا نعبر الحديقة التي تفصل الشارع الكبير عن محطة الحافلة. كانت تمشي إلى جانبي، ثم التفتت إليّ فجأة وقالت، كأنها تلقي جملة عابرة لا تستحق كل هذا الصمت:
«لو بحثتَ عني يومًا ما، فستجدني هنا.»
ثم واصلت السير.
لم أسألها ماذا تعني. لم تتوقف لتشرح. خضنا في حديث آخر، ومضى ذلك اليوم كما تمضي الأيام التي لا نعرف أنها ستبقى معنا إلى آخر العمر.
واليوم، بعد أكثر من أربعين سنة، عادت الجملة وحدها.
لا أدري لماذا الآن.
أشعر بفرح يشبه الدهشة، وبدهشة تشبه العثور على شيء ظننته ضاع إلى الأبد. كأنني فتحت خزانة قديمة، فعثرت بين أشيائها على ورقة صفراء بالية، عليها خريطة تقود إلى كنز.
ترى، لو ذهبتُ إلى هناك… هل سأجدكِ كما وعدتِني؟
رجاءً عزيزتي، هل كنتِ صادقة يومها؟
الشيء الوحيد الذي يطمئنني أنكِ لم تكذبي عليّ طوال علاقتنا. فكيف يمكن أن يكون ذلك الوعد، بالذات، كذبة؟
وماذا لو ذهبتُ إلى الحديقة التي تفصل الشارع الكبير عن محطة الحافلة، ووجدتكِ هناك؟
تسارعت نبضات قلبي لمجرد التفكير في الأمر، وشعرت بحبيبات العرق تتكاثر على جبيني كالفطر.
عندها انتبهت إلى العصا في يدي.
هذه العصا لم تكن معي يوم كنا نعبر الحديقة.
أحملها الآن منذ العملية الجراحية التي أجريتها قبل عام في ركبتي اليسرى. وفي أذني سماعة طبية بعدما أخذ سمعي في التراجع.
هل ستتعرفين إليّ؟
هل ستعرفين الرجل الذي سيقف أمامك بعد أربعين سنة، رغم الشيب، والعصا، والسماعة، وكل تلك الأعطاب الصغيرة التي يتركها الزمن في أجسادنا من دون استئذان؟
سأتحجج بسوء الطقس، وأقول لك إن المشي في الحديقة لم يعد يناسبني. سأقترح أن نجلس مباشرة في مقهانا القديم، وسط الحديقة، كما كنا نفعل.
ستلاحظين بالتأكيد أنني لم أعد أضع ثلاثة مربعات من السكر في قهوتي.
وستلاحظين أنني، بين رشفة وأخرى، أخفي كحة عالقة في صدري.
لن أتحدث عن الماضي.
لا وقت للعتاب.
سأخبرك فقط أنني ما زلت أحتفظ برسائلك القديمة، وأنني ما زلت أحب أشعار نزار، وما زلت أستمع إلى «موعود» لعبد الحليم، ذلك الشريط الذي أهديتِني إياه في لقائنا الأخير.
تصوري… من أجل ذلك الشريط وحده، ما زلت أحتفظ بآلة الكاسيت القديمة.
وسأقول لك إن «موعود» في ذلك الشريط، رغم الأعطاب التي أصلحها في كل مرة، ما زال عندي أفضل بمليون مرة من «موعود» على يوتيوب.
ربما ستضحكين.
وسأضحك أنا أيضًا.
ثم سأخبرك أن الطفل الذي في داخلي لم يكبر.
وأنني ما زلت، كما كنت، أكتب القصص لأرويها لك في المساء.
لكنني سأعترف لك بشيء آخر:
قصصي شحّت.
خف نبضها.
ولم يبقَ لي منها إلا قصة أخيرة.
قصة كنت أريد أن أحكيها لك حين نلتقي في الحديقة التي تفصل الشارع الكبير عن محطة الحافلة.
ها أنا اليوم أتسكع في المدينة.
أمر بجانب الحديقة.
أعرف أنك هناك.
أنتِ التي قلتِ لي ذات يوم:
«لو بحثتَ عني يومًا ما، فستجدني هنا.»
كلما اقتربتُ من الحديقة، منكِ، ابتعدتُ.
أدور حولها كفراشة تعرف أن الضوء الذي يجذبها قد يكون هو نفسه الذي سيحرق جناحيها.
لا أجرؤ على تخطي العتبة.
هل هو جبن اللقاء؟
أم خوفي من أن أكون قد تأخرتُ كثيرًا، وأن تكوني قد رحلتِ؟
أم أنني، ببساطة، لا أريد لقصتي الأخيرة أن تنتهي؟
أم كل ذلك؟
وظللتُ واقفًا عند العتبة.
محمد الجباري غشت 2026