
بقلم : اد .محمد البدوي:
ليس كل لاعبٍ بطلًا، ولا كل موهبةٍ خالدة؛ فالبطولة الحقيقية تُصنع حين يُختبر الإنسان في الموقف، لا حين تُصفِّق له المدرجات. وحكيم زياش لم يكن يومًا مجرد لاعب كرة قدم، بل كان – وما يزال – موقفًا يمشي على عشب الملاعب، وصوتًا حرًّا في زمن الصمت، وضميرًا حيًّا في زمن الحسابات الباردة.
العميد البطل، الفنان الحكيم زياش، يصنع الحدث مرة أخرى.
كنتُ قد كتبتُ عنه من قبل، وضمّ قلمي عشرات المقالات إبّان الطوفان، وفي غمرات حرب الإبادة الهمجية على غزة العزّة، كما كتبتُ عن المهندسة المبرمجة ابتهال أبو السعد، وكتبتُ أيضًا عن الشريف المناضل الحقوقي (المعطي) سيدون أسيدون.
ذلك أن في قلب المعارك يبرز الأبطال، وفي خضمّ الأزمات تظهر القامات، وتنكشف معادن الناس، ويُعرَف الرجال من المواقف لا من الألقاب.
كنتُ – كغيري من أبناء هذا الوطن – ممن آلمهم استبعاد النجم الكروي حكيم زياش من شرف الانتساب إلى لائحة المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم، وبقي في القلب غصّة التفريط في هذه الموهبة الكروية الفذّة، التي كتبت اسمها بمدادٍ من ذهب في قلوب الملايين من العرب والمسلمين قاطبة، خلال نسخة كأس العالم بقطر؛ حيث لم يكن زياش مجرد لاعب، بل كان حالةً، ورمزًا، ورسالة.
وزاد حبي وتقديري لهذا الشهم، وهو يضع – بين الفينة والأخرى – جُملاً قصيرة مقتضبة على صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي، يندّد فيها بالجرائم البشعة، وبالإبادة الهمجية التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني.
وحسبي تلك الصور التي ما زالت ترفرف في القلب، كتلك الراية التي لبسها وهو يتوّج ضمن أحسن لاعبي فريق غلطة سراي التركي؛ مشهدٌ سيحتفظ به التاريخ، لكل من أراد أن يصنع ملحمة، ويبقى اسمه خالدًا في سجل الأبطال العظام.
هنيئًا لك يا زياش؛ لا يضيرك أن منتخبنا الوطني لم يُنصفك، ولا أن المدرب السابق تخلّى عنك، ولا أن رئيس الجامعة، أو بعض الثعالب العجوزة في مربع اتخاذ القرار، لم ترضَ عنك.
ولا يضيرك أنك لم ولن تسلم من كلاب “كلنا إسرائيل”، أولئك الذين يمكرون بك وهم في مربع اتخاد القرار.
أحسب – غير متردد – أنك تستحق أن تكون من أحسن لاعبي التاريخ الحديث، وأنك سرت على نهج محمد أبو تريكة؛ صنعت الحدث، وكتبت اسمك، ونقشت صورتك، صحبة أمك، ثم أمك، ثم أمك، في قلوب الملايين.
ويكفيك فخرًا، ويزيدك تشريفًا، أن يخرج لك ذلك الحقير، ابن الحقير، ابن بن غفير، المجر.م المدان بجرائم حرب ضد الإنسانية، ليهاجمك علنًا، ولم يكفه أن سلّط عليك كلابه الضالة داخل الوطن وخارجه.
خرج المسعور اللئيم لينال منك، ولكن هيهات، ثم هيهات، ثم هيهات:
ما ضَرَّ بحرَ الفُراتِ يومًا
إن خاضَ بعضُ الكلابِ فيه
لن يرتاح المجرم البنغڤيري، رديف المشنقة، وأنت تقول كلمة حق، وأنت تخطّ كلمات عجز عن كتابتها كبار الكتّاب، والأدباء، والشعراء، والمفكرين.
حسبك أنك تصنع التاريخ أيها البطل، ومدرجات الملاعب شاهدة على شهامتك، ويكفيك فخرًا أن اسمك اليوم يتغنّى به عشّاق كرة القدم، ويحوّلون مواقفك إلى ملاحم تُروى وأشعارا يُتَغنّى بها.
الأجيال ستحفظ مواقفك، ولن ينساك العالم، ولن تسقط كما سقط كثيرون من قبلك.
وقد تبيّن بالواضح والملموس، وبما لا يدع مجالًا للشك، أن وجودك داخل تشكيلة المنتخب الوطني المغربي كان سينسف سردية الكيا.ن الغاصب، والمتعاونين معه، والمساندين له؛ لأن وجودك اليوم، حيثما كنت، يعني فلسطين، ويعني الانحياز للمستضعفين في الأرض.
يكفيك فخرًا أيها الحكيم، أن صورك اليوم تُعلّق على أنقاض جدران مبلّلة بدماء الشهداء، وعلى ما تبقّى من آثار بيوت أهل النخوة والشرف في قطاع غز.ة.
الخلود الحقيقي
أن تُكتب بالدم، لا بالحبر، وأن تُخلَّد بالموقف، لا بالمنصب.
ليس كل من أحرز هدفًا خُلّد، ولا كل من صفّقت له الجماهير بقي في الذاكرة. الخلود – يا حكيم – تصنعه المواقف حين تُكلِّف، والكلمة حين تُغضِب، والوقوف في صفّ الحق حين يهرب الجميع إلى مناطق الصمت الآمن.
وأنت اخترت الطريق الأصعب: أن تكون إنسانًا قبل أن تكون لاعبًا، وأن تكون مع فلسطين قبل أن تكون مع اللائحة، وأن تنتصر للدم المظلوم قبل أن تنتصر للنقاط والكؤوس.
سيُمحى كثيرون من سجلات الذاكرة، وسيتساقط المتلونون واحدًا تلو الآخر، أمّا أنت فستبقى؛ لأنك قلت «لا» حين كان الثمن باهظًا، وقلت «نعم» للحق حين كان الصمت أسهل.
ستبقى صورتك مرفوعة في المدرجات، ومعلّقة على جدران غزة، ومحفورة في ضمير أمة تعرف جيدًا من خان، ومن ثبت.
اكتب ما شئت من أهداف، لكنك قبل ذلك كتبت اسمك في سجل الشرف.
وذلك – والله – هو الفوز الذي لا يُهزم، واللقب الذي لا يُسحب، والتتويج الذي لا تقرّره المكاتب، بل تصادق عليه الشعوب، وتوقّعه دماء الشهداء.