
أمينة بنونة
في إطار تخليد الذكرى 79 لأحداث 7 أبريل 1947 بمدينة الدار البيضاء، والذكرى 79 للرحلة التاريخية التي قام بها محمد الخامس إلى طنجة يوم 9 أبريل 1947، وكذا الذكرى 70 لزيارته إلى تطوان سنة 1956، نظم فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بـالقصر الكبير، بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني، ندوة فكرية متميزة تحت عنوان:
“الرحلات الملكية بين رهانات الوحدة والاستقلال والبناء”، وذلك يوم الجمعة 19 أبريل.
وقد عرفت الندوة، التي أدارها الدكتور محمد الصمدي، مشاركة ثلة من الباحثين والأساتذة، الذين قدموا قراءات تاريخية معمقة لمسار الكفاح الوطني، مستحضرين مختلف المحطات التي طبعت تاريخ المغرب الحديث.
في هذا السياق، تم التذكير بالسياق التاريخي الذي سبق فرض معاهدة فاس 1912، حيث عرف المغرب ضغوطاً استعمارية متزايدة من طرف قوى أوروبية، خاصة فرنسا وإسبانيا، في ظل أوضاع داخلية صعبة، مما مهد لفرض نظام الحماية. ورغم ذلك، أبان المغاربة عن روح مقاومة قوية، تجسدت في حركات مسلحة قادها رجال بارزون، من بينهم محمد بن عبد الكريم الخطابي.
كما سلطت المداخلات الضوء على انبثاق الحركة الوطنية، التي انتقلت من مرحلة المطالب الإصلاحية إلى المطالبة الصريحة بالاستقلال، خاصة مع تأسيس حزب الاستقلال وتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، في ظل التحام وثيق بين العرش والشعب بقيادة محمد الخامس.
وشكلت قراءة خطاب طنجة لسنة 1947 محطة مركزية في أشغال الندوة، حيث تم التأكيد على رمزيته التاريخية في توحيد الصف الوطني وإبراز مطلب الاستقلال أمام المنتظم الدولي، باعتباره منعطفاً حاسماً في مسار التحرر الوطني.
من جهة أخرى، تناولت المداخلات حدث نفي محمد الخامس سنة 1953 إلى مدغشقر، والذي اعتُبر نقطة تحول كبرى فجّرت ثورة الملك والشعب 1953، مجسدة أسمى معاني التلاحم بين العرش والشعب، وممهّدة لعودة الملك وإعلان الاستقلال سنة 1956.
كما تم التطرق إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، التي دشنت عهد التحرير والوحدة وبناء الدولة الحديثة، واستُحضر في هذا الإطار دور الحسن الثاني في استكمال الوحدة الترابية من خلال المسيرة الخضراء 1975، وكذا مواصلة مسار التنمية في عهد محمد السادس.
وفي ختام الندوة، تم إبراز الدور الريادي الذي لعبته مدينة القصر الكبير في دعم الحركة الوطنية واحتضان العمل المقاوم، حيث ظلت فضاءً للنضال الوطني ومعبّراً عن روح الالتزام بقضايا الوطن، بما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة التاريخية المغربية.
وقد خلصت أشغال هذه الندوة إلى التأكيد على أهمية صون الذاكرة الوطنية ونقلها للأجيال الصاعدة، باعتبارها ركيزة أساسية لفهم الحاضر وبناء المستقبل، وترسيخ قيم المواطنة والاعتزاز بالهوية الوطنية.
وفي ختام أشغال الندوة، تم فتح باب النقاش أمام الحضور، مما أغنى الموضوع بمداخلات قيمة وتساؤلات عميقة، عكست وعي المشاركين بأهمية استحضار الذاكرة التاريخية الوطنية واستلهام دروسها. وقد ساهم هذا التفاعل في توسيع زوايا النظر حول مختلف المحاور المطروحة، وتعزيز النقاش الأكاديمي الرصين، في جو من الحوار المسؤول وتبادل الآراء، بما يخدم ترسيخ ثقافة المواطنة والاعتزاز بتاريخ المغرب المجيد.