
– د . محمد البدوي
بعد أسبوعين عصيبين من النزوح، بلغت القلوب الحناجر، وضاق الصدر بما حمل من خوفٍ وانتظار. حتى إذا أقبلت ليلة الجمعة الثالثة، انشقّ الأفق عن خيطٍ خجول من الأمل، وأخيرا عمَّ خبر إعلان مدينتي القصر الكبير مدينةً منكوبة، شأنها شأن مدنٍ أخرى أثقلها البلاء وامتحن الله بها الصبر واليقين.
هدأ زئير السدّ، ذلك الصوت الذي كان يزمجر في صدورنا قبل أن يزمجر في الوادي، كأنه يعلن أنّه لن يؤذينا، وأنه مهما جاع أو عطش فلن يبطش بنا.
وصلتنا الأخبار بعد تحرّيات دقيقة، أعادت للأنفاس انتظامها، وللقلوب بعض السكينة بعد طول ترقّب.
صار السد محور اهتمامنا ليلًا ونهارًا، لحظة بلحظة، وساعةً بساعة. ولا حديث إلا عن منسوبه: ارتفع أم انخفض؟ وقد اقتربت الآزفة، ولا كاشف إلا دعاءٌ مرفوع وقلب معلّق بباب السماء.
كنتُ، كغيري من غيورِي المدينة، نطالب بتدخّل الدولة، نصرخ في كل وادٍ، ونبثّ صرختنا حيثما استطعنا، لعلّها تصل إلى آذان صاغية، وقلوب واعية بحجم الخطر وعِظم المسؤولية. سابقنا الأحداث، وطالبنا بالتدخّل العاجل ممّن بيدهم الحلّ والعقد، فالذعر دبّ في النفوس، واليأس تسلّل إلى الأجساد، وسواد ثقيل خيّم على سماء القلوب لمن بقوا مرابطين، وإن كانت الأجساد قد هاجرت إلى مدن الجوار طلبًا للسلامة.
كنا ننتظر الصافرات التي لعلعت يومًا معلنة الخروج والهروب من كارثة متوقعة، على أمل أن تتحوّل إلى صافرات رحيمة، وعبارات حليمة تبشّر بعودة آمنة، وبرجوع الجسد إلى الروح من جديد.
واليوم، وقد بدأ ظلام النزوح ينقشع عن دروب المجهول، استقرّ في خلدنا سؤال واحد، ثقيل وبسيط في آنٍ معًا: متى الرجوع؟ أما الأسئلة الأخرى، فموعدها قريب، ونحن على جنبات مدينة (نوڤوم)، وقريبا من أرض معركة وادي المخازن، وعلى أبواب المسجد الأعظم، نتأمّل الجراح ونتلمّس آثار الندوب على الروح، وإن بدا الجسد وكأنه تعافى.
كل القلوب تهفو لتعانق البيوت. كلنا ننتظر فتح باب المنزل، أو متجر العمل، لنعاين ما صنع الماء، وما خلّف من دمار وصمت، وليعرف أي الأثقال زال، وأيها ما زال معلقًا في الذاكرة. سندخل مدينتنا، ونصلّي في مساجدنا، ونرفع أبصارنا إلى السماء متشبّثين باليقين، متمسكين بندائه الرحيم :﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
[ سورة التوبة: 51]
دخولنا اليوم ليس مجرد رجوع أقدام، بل عودة الروح إلى جسدها، وحنين القلب إلى ما اقتلع منه قسرًا. يشبه ذلك دخول الصحابة، رضوان الله عليهم، مكّة فاتحين بعد خروج موجع من وطن أحبوه بقلوبهم. وهنا يظهر البعد الإيماني للنزوح، كما يُستحضر قول رسول الله ﷺ عند مغادرته مكة، كما رواه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
«لما خرج رسولُ اللهِ ﷺ من مكة قال: أمَا واللهِ إني لأخرجُ منكِ، وإني لأعلمُ أنكِ أحبُّ بلادِ اللهِ إلى اللهِ، وأكرمُها على اللهِ، ولولا أن أهلكِ أخرجوني منك ما خرجتُ»
— أخرجه الإمام الترمذي (3626).
اليوم ندرك أن الخروج لا ينفي المحبّة، وأن الفراق لا ينسخ الانتماء، وأن الله إذا أخرج عبدًا من وطنه، فمهما بدا ألم ذلك، فهو استعداد لرجوع بقلب أنقى، ويقين أرسخ، وشكر أعمق.
خرجنا من القصر الكبير، وقد أودعناها ربًّا رحيمًا، آمنين بأن الودائع عنده محفوظة، وبأن البيوت لا تغرق ما دام فوقها دعاء، ولا تنهار المدن ما دام في أهلها من يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
ونحن اليوم، على أعتاب شهر فضيل، نسأل الله أن يحفظنا ونحن راجعون، كما حفظنا ونحن نفرّ منها، هاربين من قدر الله إلى قدره.
وختامًا: كما أحسن الله فيما مضى، فإنّه سيحسن فيما بقي.
محمد البدوي ليلة الجمعة 24 شعبان 1447هجرية موافق 13 فبراير 2026 ميلادية.