ومضة من ذاكرة تأبى النسيان : ” من كان منكم بلا خطيئة……”

21 سبتمبر 2024

ذة : سمية نخشى : 

الذكرى السابعة للرحيل….
ومضة من ذاكرة تأبى النسيان :
” من كان منكم بلا خطيئة……”

و نحن نستمتع بجلسة عائلية، نتبادل فيها ، انا و أفراد أسرتي، أطراف الحديث الذي تداعت بنا منعرجاته لمواضيع في مجالات شتى : سياسية، اجتماعية، ثقافية…..إذا به يعرج بنا ، في سياق التطرق لأزمة القيم التي تنسف أركان مجتمعنا اليوم ، على سيرة سيدة معروفة في أوساط المدينة بسلوكها المثير للجدل ، و بانفلاتها الأخلاقي . بسرعة نصبت قاعة المحكمة ، و بدأت الانتقادات اللاذعة التي استهلت أطوار المحاكمة التي لم أكن أعرف إلى أي أحكام ستقودنا.
بهدوئه المعتاد ،و بنبرة صوته الدافئة ، أجهض فقيدي عبد القادر ، و في لمح البصر ، تلك المحاولة و هو يردد بصوت يكاد يكون خافتا عبارة جعلت الجميع يلوذ بالصمت و الكل ينزوي في مكانه : ” من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ”
جزمت و من الوهلة الأولى انها كلمة السيد المسيح رغم أنني كنت ، يومها ، أول مرة أسمعها، فنبرة التسامح العالية فيها تؤكد أنها له ، ذلك التسامح الذي يغيظني احيانا في سياقات مغايرة ، مثل عبارة ” اذا ضربك أحد على خدك الأيمن ، أدر له خدك الأيسر ” فمنسوب العنف داخلي ، على ضآلته ، لا يستجيب أبدا لهذه الموعظة.
هي كلمة تروى عن المسيح عليه السلام في قصة امرأة متهمة بالفاحشة ، فعزم الكهنة و أتباعهم على إعدامها رجما بالحجارة ، و أرادوا إحراج السيد المسيح بتوريطه في المشاركة في ذلك أو أن يقف موقف المعترض على شريعة
موسى عليه السلام فيتهم في عقيدته .
ورد في إنجيل يوحنا 8 :” و لما استمروا يسألونه ، انتصب و قال لهم ، من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر، فلما سمعوا هذا الكلام انسحبوا جميعا ، الواحد تلو الآخر ابتداءا من الشيوخ ، و بقي يسوع وحده و المرأة واقفة في مكانها ، فاعتدل و قال لها : أين هم أيتها المرأة؟ ألم يحكم عليك أحد منهم ؟ أجابت : لا أحد يا سيد ، فقال لها : و أنا لا أحكم عليك و لا تعودي للخطأ ”
أذهلتني سرعة بديهة أخي و سعة اطلاعه ، كما أبهرتني رحابة صدره و ميله للتسامح الذي لا يعني أبدا التشجيع على الرذيلة ، و ليس من باب الترويج لأي منعطفات أخلاقية من تلك التي تدعو اليوم لاستباحة العلاقات الرضائية أو تقبل فكرة ” المساكنة “أو التطبيع مع أشكال الشذوذ الأخلاقي التي بدأت ألوانها تطفو على واجهة المشهد الاجتماعي و القانوني ، فقواعد تربيتنا الدينية خط أحمر.
و إنما هو التسامح الذي يعني تقبل الآخر و محاولةإحتوائه بأخطائه و انزلاقاته ضد خطاب الكراهية و التمييز داخل المجتمع . و هذه دعوة لمراعاة الخصوصية الإنسانية و احترام لحظات ضعف الإنسان و سقوطه . و هي كذلك محاولة لخلخلة المواقف المتحجرة التي تصدر الأحكام دون مراعاة حيثيات الواقعة أو النازلة ، متجاهلة أن الإنصاف في الحكم أفضل من العدل ، فإذا كان العدل هو تطبيق القانون فالإنصاف هو الإجتهاد في تطبيقه بمراعاة الجانب الإنساني .
والظروف أحيانا قد تجبر الناس على إتيان أفعال ، هم أنفسهم لا يتقبلونها ، و ذلك إما بتأثير عوامل اقتصادية مثل الفقر ، نفسية مرضية مثل الأكتئاب أو إجتماعية مثل التفكك الأسري…….
فلسنا دائما أحرارا في اختياراتنا، سلوكاتنا و أفعالنا ، بل تمليها علينا أحيانا كثيرة إكراهات تتجاوز إرادتنا ، فتصدر عنا أفعالا ، نحن أنفسنا نجهل سبب قيامنا بها مثل تلك التي تكون دوافعها لاشعورية .
فكم من زانية رمى بها جوع أطفالها لأوكار الرذيلة ، و كم من سارق لم يصمد أمام جور ظروفه و ضيق ذات يده و كم من قاصر لوحت به قساوة المعيش اليومي للارتماء في أحضان اليم في اتجاه مدينة سبتة عبورا للضفة الأخرى رغم صرخات و دموع الأم .
و هنا تحضرني قولة الفيلسوف فرديرك إنجلز ” قبل أن تعاقب السارق ، إقض على أسباب السرقة ”
الحياة ليست دائما منصفة و الإنسان غير معصوم من الخطأ ، فلا داعي لخطاب التعالي الذي يجعلنا دائما متأهبين لإصدار سيول أحكام القيمة الجاهزة و الانتقادات المشروعة و غير المشروعة و متوثبين لاقتناص أخطاء الآخرين و تسليط الضوء عليها مقابل التعتيم على زلاتنا . كل هذا إرضاءا لعاهاتنا النفسية و إثباتا لذوات منخورة تسعى للظهور و لو مؤقتا بجلد الآخرين و التربص بهم.
هذه كانت أخلاق أخي و فقيدي عبد القادر مبنية على التسامح و التآخي و المحبة مؤمنا و بيقين المؤمن الصادق ان ” الله محبة ”
طيبة قلب أخي كانت تسع العالم الذي جعله الأوغاد يضيق عليه بما رحب، فلله الأمر من قبل و من بعد.
رحمك الله أخي الغالي
رحم الله شهداء غزة
رحم الله موتاكم و موتانا و موتى الإنسانية جمعاء

سمية نخشى في 20\09\2024

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading