حين يشحذ الهاتف بدل الفكر: اختطاف الاستحقاق في زمن الذكاء الاصطناعي.

منذ 42 دقيقة
Oplus_131072

– ذ : منير الفراع

حتى الأمس القريب، كان الظفر بمقعد في المدارس العليا ثمرةَ جدٍّ واجتهاد، يتطلب شحذ الفكر وصقل المهارات، واستنفار مختلف القدرات العقلية في لحظات المباراة الحاسمة.
كان المتباري يدخل غمار المنافسة على مقعد بإحدى هذه المدارس مستنفرا كل قدراته، حاملا في جعبته كل ماراكمه من معارف وما اكتسبه من مهارات، وما بذله من جهد جهيد طيلة سنوات مشواره الدراسي بمختلف الأسلاك التعليمية، مؤمنا بأن المقعد الذي سيظفر به ليس سوى ثمرة مستحقة سيجنيها بعد كل ذلك الجهد وحصيلة طبيعية لما قدمه من عطاء.
أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة، في ظل تراجع منظومة القيم وانحسارها أمام سطوة منطق المصلحة والنتيجة، فانقلبت المفاهيم ومعها اختلت موازين التنافس.
فمع التطور المتسارع للتكنولوجيا، وهيمنة الذكاء الاصطناعي على مختلف مناحي الحياة، أمسى النجاح يُقاس في كثير من الأحيان بمنطق الكم لا بمنطق الكيف، وبالنتيجة لا بالطريق المؤدي إليها. وهكذا أصبح بلوغ الغاية لدى البعض مبررا كافيا ومقبولا لتسويغ الوسيلة، حتى وإن كانت غير مشروعة، وفي مقدمتها الغش، الذي لم يعد مجرد سلوك فردي معزول، بل تحول إلى ظاهرة مجتمعية تعصف بمبدأ تكافؤ الفرص، وتضرب في الصميم عدالة التنافس ونزاهة الاستحقاق.

فلم يعد المتباري ينافس متباريا مثله، ولم تعد المعركة تدور بين عقول بشرية تتفاوت في المعرفة والذكاء والاجتهاد، وإنما أصبحنا أمام منافسة مختلة الأركان: عقول بشرية من جهة، وذكاء اصطناعي تم تسخيره للغش من جهة أخرى.

وهكذا انقلبت المفاهيم، وتبدلت الأدوار، فأصبحنا في ظل هذا الوضع المستشري أمام مفارقة مؤلمة تستحق التأمل والدراسة.

إذ بدل أن يعمد المتباري إلى شحذ فكره، صار يشحذ هاتفه النقال. وبدل أن يصقل مهاراته العلمية والمعرفية، صار يصقل مهاراته في اقتناص كل فرص الغش الممكنة، مستدعيا كل قدراته ومهاراته لتفادي كشفه. وهكذا بدل أن يستنفر كل قدراته العقلية لاستحضار ما تعلمه وراكمه طوال سنوات الدراسة، صار يستنفر كل ما لديه من حيل ووسائل تقنية للوصول إلى الإجابة الجاهزة دون جهد يذكر.

لكن ما يلفت الانتباه في الآونة الأخيرة أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد حالات فردية معزولة عابرة، وإنما تحولت إلى منظومة مؤسساتية بعدما تناسلت الكثير من المجموعات والمنصات تُنشأ خصيصًا لتسهيل هذا النوع من الغش، وتوفير الإجابات والحلول للمتبارين مقابل مبالغ مالية متفق عليها، وكأننا أمام منظومة موازية للتنافس المشروع، تُدار في الخفاء، وتستهدف اختطاف الاستحقاق من أصحابه.

غير أن الأشد إيلاما أن ثمن هذا الغش لا يؤديه الغشاش وحده، وإنما يؤديه أيضًا ذلك الطالب الذي سهر الليالي في الاجتهاد وبذل الجهد، واستنزف طاقته في التحصيل، وبذل أقصى ما يستطيع استعدادا للحظة الامتحان، ثم وجد نفسه يخسر مقعدا كان هو أولى به وأجدر، لا لأنه أقل ذكاء أو كفاءة أو معرفة، وإنما لأنه اختار أن ينافس بشرف في زمن أصبح فيه البعض يتقن فنًا آخر: فن الغش.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في أن ينجح شخص لا يستحق، وإنما في أن يفقد المستحق ثقته في منظومة الاستحقاق ذاتها. فعندما يصبح الغش طريقا إلى النجاح، يتحول النجاح نفسه إلى مفهوم مشوه، وتصبح الشهادة بلا قيمة، والمقعد بلا استحقاق، والمنافسة بلا عدالة.

إننا لا نحتاج اليوم إلى محاربة الغش باعتباره مجرد مخالفة في قاعة الامتحان، بل نحتاج إلى مواجهة بنية ثقافية كاملة بدأت في التشكل حوله؛ ثقافة توهم الناشئة بأن الغاية تبرر الوسيلة، وأن المهم هو الوصول، بصرف النظر عن الطريق.

فالمجتمع الذي يكافئ الغشاش، ولو بصورة غير مباشرة، ويقصي المجتهد، لا يظلم فردا فحسب، وإنما يقامر بمستقبل هذا المجتمع.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading