حِكَـم ربّـي

22 سبتمبر 2024
Oplus_0

– سعيد أولاد الصغير : 

كان لي صـديـقٌ ضريـرٌ، يتـوق دوماً للحديـث عـن البحر والكثير من الغرائِـب والعجـائـب…
في إحدى المـرّات، ثَـقُل كاهلـي مِن كثـرة التّـفكـيـر… فَحَمَلنـي الحنـيـنُ لزيارتـه كنوعٍ مِن التّغـيـيـر، أو كصَـدَقـة جاريـة، إنْ لَـم يَخُـنّـي التّقـديـر…
طرقْــتُ باب منـزلـه، ففَتحَـتْ والـدتُـه الـبـاب وطـلـبـتْ مِـنّي الدّخـول… اقتـربـتُ منه وهو في رُقاد طويـل… أردتُ أنْ أختبـرَ سَمْـعـه الحاد كما كـان، فقلّـدت صوتَ المؤذّن لأخبـره بأنّ وقـت الـصّلاة قد حـان…! قفـزَ فَـزِعـاً مِن مكانـه وضمّنـي بشـدّة إلى حُضنِـه، حتّى كاد صدري أنْ ينفَـجِـر.
سريعـاً ودون مُقـدّمـات، أَجلسنـي على حافّـة سَريـره وبدأ يحـكي لي تفاصيـل حُلم غريب وقال:
– « كـنـتُ على مَـتْـن قاربٍ صغـيـرٍ، في رحلـة نحو المجـهُـول… وكان معي حَـشـدٌ غَفـيــر، مُثـخَـنٌ بـالـجـراح، تـبـدو علـيـه مُسحـة مِن الطّيـش والمـزاح. حديـثُــه يدُور لحدّ القَرف، عن القـائـد الهــارب وحِكـمة الخِـتـان ونَخْـوة الشّـارب…
كُنـتُ أمسك بيـدي اليمنى قاربنـا الذي يُقاوم المدّ والجزر، وباليسرى أقبض على البحـر، كيْ لا يَسرقـه مِنّـا أهل الغدر… ».
يا إلهـي، كَمْ هي غامـضةٌ ومُحيّـرةٌ أحلام صديـقـي الضرير هـذا…! فبالرّغـم مِن كَونـهـا مُجـرّد أحلامٍ، فهـي علامات بلا نهايات… بل أَجِدُهـا أحيانـاً تكهّـنـات أَصدق مِـن الصّـدق، تُحمّلُنـي مـا لا أُطيـق…
لكن والحقّ يُـقـال، حِيـن تحاصرنـي نقـمـة العـمى، فأنـا أتوارى خلـف نِعمـة البصر، وأقـف عند حالـة الاعـتـدال… فلا جَدل عندي هنا ولا جِدال…!
وبينمـا كان الرّجل يَحكي بهـدوء عجيـب وكُنـتُ أُنصـتُ إليـه بخشـوع رهـيـب، حدث ما لـمْ يكـنْ في الحُـسبـان…
لقـد انقـطعَ النّـور فجأة وكلّيـاً عن المكان… فـصرنا نسبـحُ معـاً في ظلام حالك… شـعـرتُ بحرج شديـد، وبدا لي مِن غـير اللاّئـق أنْ أُثيـرَ انتبـاه الرّجل لذلك… فالظّلام بالنّسبـة إليـه أمـرٌ عاديٌّ، والظّلمـة لديـه ليْـل سَرمَديٌّ…
جُلـتُ ببـصري في أركان البيـت، فلـمْ أُر شيئـاً… تذكـّرت لحظتهـا ما كـنـتُ أسمعـه، عـن البصيـرة التي تحضُر حيـن يغـيـب البـصـر…! أنا أجهـل كـيـف أُحضِـر البـصيـرة فعـلاً… بل أنا لا أعـرف طريقهـا أصـلاً… وكلّ ما أعـرف، أنّهـا كانـتْ لي فـرصة مُتـاحـة لكي أغـوص في أعماق بحر صديقـي الضّريـر وكنزه الدّفين… ورغبة جـامِحـة في أنْ أَلـعـبَ معـه لُعـبـة غوّاصٍ ودُولْفيـن…! فقُلـت له مازحـاً :
– « يا صاحبي، ليـس في زَمننـا هذا مَن ليست له مآرب… فمَـن الذي يمـنع أنْ تكون أنت هو قـائـد الحشْـد الهـارب…!؟
فقـط يلـزمُـك ثـعلـبٌ وعناكـب ونُـتَــفٌ مِن بَــقـايا الـسّنـاجـب، وحـتمـاً سيستَـفْتيـكَ القَــوْمُ، في كيفيـة التهرّب من الضّـرائـب وإطالـة الشّـارب وأحكام الخِتـان، وفي الكثيـر والكثير مِن العَجـب والعجائـب… ولكلّ مُجتهـد حيـنهـا نَـصِـيـب وراتـب…!؟ ».
في تلك اللّحظـة، انتصـب الرّجل واقـفــاً كإعـصار هـائـجٍ، وهـو يُمسـك ذِراعي بقـوّة، ثـمّ رجّنِـي رجّـاً، وهو يصرخُ في وجهــي صرخـةً حــادّة ومُـرعِــبة:
– « تبّـاً، لِمـنْ احتـرفَ الخِتـان. سُحقــاً لمَـن أطـال الشّـارب… قُلْ لي بربّـك مَن أفـرغ بَحرنـا مِن الحِيـتـان… بَل، أرِنـي فقـط مَـن يقُـود بنـا هذا القـارب… حتّى صـار مِـنّـا الغـريـق والمُصاب والهــارب…!؟ ».
مزّقـتْ طلائـع إعـصار الـرّجل شِـراع قلبـي… وقبـل أنْ يُغـرقـنـي في بحر غرائبـه وعجـائـبـه، استجمَـعـتُ ما بَقِــي مِن تقديــري المُبعثـر على الفـور، تَركـتُ حَبْـلَـه على الغــارب وقلـت:
– « كُـلّ حِكَـم ربّـي فيهــا مـآرب…! ».

 

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading