
الاستاذة :سعاد بولحية
إضاءة : (الأستاذة سعاد بولحية ، من مدينة الحسيمة المدينة التي تختزن في ذاكرتها تاريخاً ثقيلاً من المقاومة المرتبطة باسم محمد بن عبد الكريم الخطابي كنت قد تعرفت على اسرتها فترة اشتغالي بمدينة الحسيمة وربطتني صداقة مع عمها المرحوم عبد الوهاب بولحية . وهي تنحدر من أسرة ريفية عريقة؛ فوالدها شاعر وقاضٍ تراس وفد مدينته في اعقاب زيارة المرحوم محمد الخامس عقب أحداث الريف1958/1959 وقدم قصيدة في حضوره وعندما طلب منه الملك ان يطلب شيء لنفسه ،طلب العفو عن المعتقلين في احداث الريف، كما أنها حفيدة المقاوم محمد علي بولحية وزير العدل في حكومة الخطابي. عاشت بمدينة القصر الكبير لمدة ثلاثة عقود ،وبعد تقاعدها انخرطت، إلى جانب عدد من أبناء الحسيمة، في عمل ثقافي يهدف إلى صون ذاكرة الريف واستعادة صفحاتها المنسية، وهو ما ينعكس في كتاباتها التي تمزج بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجماعي.)
حين رأيت صور الماء وهو يغمر شوارع القصر الكبير، شعرت وانا اتابع الاخبار ان الامر لا يتعلق بمدينة بعيدة ،احسست ان موجة من الذكريات ارتفعت بداخلي فجأة ،هذه المدينة كانت بالنسبة لي مكان عمل وقطعة من العمر عشتها بكل تفاصيلها
جئت إلى القصر الكبير من الحسيمة، تلك المدينة المطلة على المتوسط، المثقلة بجراحها القديمة، بذاكرة مقاومة لم تندمل منذ زمن محمد بن عبد الكريم الخطابي .
لكن القصر الكبير منحني أيضاً اكتشاف روابط إنسانية وتاريخية لم أكن أتوقعها. هناك تعرّفت على السيدة نسيبة الطود ، امرأة تحمل الكثير من ملامح مدينة تعرف كيف تخبئ الألم في صمتها.
مع مرور الوقت اكتشفت أن ما يجمعني بها ،هي تلك الذاكرة المشتركة من الجراح التي خلفها الاستعمار في بيوت كثيرة من هذا الوطن. فقد عرفت أسرة الطود مأساة اختطاف أبنائها والحديث الذي كان يدور بمجالسنا عن العقيد الهاشمي الطود الذي حضرت جنازته، وحين كنت اتواصل مع نسيبة، كنت أشعر أن صداها يلامس تاريخ عائلتي أيضاً.
فجدي، الذي حمل يوماً مسؤولية العدالة في حكومة الخطابي، دفع هو الآخر ثمن تلك المرحلة؛ إذ تم نفيه بعيداً عن أرضه إلى آسفي، حيث انتهت رحلته في المنفى، وهناك مات ودفن ،.
لهذا حين رأيت ماء الفيضان يغمر القصر الكبير، رأيت مدينة تعود لتطفو في داخلي بكل ما حملته لي من ذكريات ووجوه وصداقات.
ربما لهذا السبب بدا لي الفيضان، في تلك اللحظة، أكثر من حدث طبيعي؛ بدا كأنه مرآة كبيرة عادت فيها المدن المغربية لتتعرف إلى بعضها من جديد: الحسيمة بجبالها وذاكرة مقاومتها، والقصر الكبير مدينة مقاومة شكلت خلفية للمقاومة وجيش التحرير بفيضاناتها وأناسِها الطيبين،.
ما زلت أذكر لحظة قدومي الأولى إلى القصر الكبير، منذ أكثر من ثلاثة عقود، حين وصلتها أستاذة تحمل حقيبتها و كتبها وكثيرا من الأسئلة. كنت أظن أنني مقبلة على مدينة هادئة من مدن الشمال، لكنني سرعان ما اكتشفت أنني أدخل فضاء مختلفا، مدينة لها عمق في التاريخ ونفس في الثقافة، كأنها كتاب مفتوح على الرقي و العراقة.
منذ الأيام الأولى شعرت أن القصر الكبير مدينة تحاورك. في أحاديث أهلها، في مدارسها وأنديتها، في مجالسها ولقاءاتها، كان حضور المثقفين لافتا. شعراء، أساتذة، فاعلون في الفكر والسياسة، أسماء ووجوه كانت تجعل النقاش حول الثقافة والوطن والحياة جزءا طبيعياً من يوميات المدينة.
كنت أكتشف شيئاً فشيئاً حضارة أهل القصر الكبير وتمدنهم؛ ذلك المزيج الجميل بين البساطة والوعي، تلك اللكنة التي تجمع بين إمالة الاندلسسين وبين حدة بنوهلال، بين كرم الضيافة والاهتمام بالشأن العام. كان الناس يتحدثون عن مدينتهم كحديثهم عن بيتٍ عزيز عليه، يختلفون حول تفاصيله، لكنهم يتفقون دائماً على حبه.
في تلك السنوات بدت لي المدينة كأنها ورشة مفتوحة للإصلاح ،حركة في الشوارع والمرافق، وكانت النقاشات حول التنمية والتهيئة لا تغيب عن المجالس واللقاءات. تلك الروح التي كانت تسري في المدينة بموازاة حركة تجارية لا تهدا لان القصر الكبير كما وصفه ميشو بلير سوق مفتوح .
وما كان يدهشني أكثر هو الحيوية التي كانت تطبع الحركة السياسية والنقابية والجمعوية والدينية . كانت المقاهي والساحات فضاءات للنقاش، وكانت الجمعيات تشتغل بحماس، والنقابات تنبض بحضورها في الدفاع عن قضايا الناس، فيما يظل الوعي السياسي جزءا من ثقافة عامة يتقاسمها كثير من أبناء المدينة، مدينة التصوف بامتياز ، مابين كل منعرج ضريح ولي صالح ، وكل ولي يحمل على كاهله تاريخا من العلم والتصوف والجهاد بل وضريح وليات صالحات يحظين بنفس التوقير والاحترام من اهل المدينة .
وسط هذه الحيوية كلها، وجدت نفسي اعيش تجربة مهنية و إنسانية عميقة. ومع مرور الوقت، اضحت القصر الكبير بالنسبة لي جزء الذاكرة والوجدان، مدينة تعلمت فيها أن المدن العريقة عميقة بروحها وبالناس الذين يمنحونها الحياة
ومن هنا، ومن هذا الاحتضان الإنساني الذي وجدته في القصر الكبير، انتقلت علاقتي ،فقد وجدت نفسي، شيئا فشيئا، أدخل بيوتا قصرية وأتعرف إلى نساءٍ جالستهن وعاشرتهن، نساءٍ في مقام الأمهات، علمنني بطيبتهن معنى الدفء الذي لا تمنحه المدن إلا لمن تقبله ابنة لها.
السيدة خدوج بوعجاج (والدة الصديقة نجاة بنقاسم )
فيض حنان
كانت وديعة الطبع، طيبة السريرة، هادئة الحضور، لكن دفء روحها كان يملأ المكان. في كلامها رفق، وفي نظرتها حنان، وفي معاملتها ذلك الكرم العفوي. كانت تفيض محبة، وتمنح من حولها شعوراً بالأمان والطمأنينة، حتى إنني كثيرا ما شعرت أن قربها يخفف عني وحشة البدايات ويجعل خطواتي الأولى في المدينة أكثر ثباتا.
بفضلها، وبفضل أسرتها الكريمة، وجدت الطريق إلى الاندماج في النسيج القصري. تعرفت إلى الناس، ودخلت بيوتا، وشاركت في أفراح وأحاديث كانت بالنسبة لي مفاتيح لفهم روح المدينة. لقد كانت جسرا إنسانيا حقيقيا بيني وبين القصر الكبير
المرحومة الحاجة فطوم الجعادي (والدة الصديقة ام كلثوم الجعادي )
فيض انسانية لا ينضب
رحمك الله ماما الحاجة وفي شخصك كنت أرى الكثير من خصال المرأة المغربية الأصيلة ذلك المزيج الجميل من الحياء والقوة، من الصبر وحسن التدبير، من الكرم الذي يجعل الضيف واحدا من أهل البيت، ومن الوفاء الذي يحفظ العِشرة ويصون الود عبر السنين. امرأة لا تكتفي بتدير البيت بل تنسج حولها عالما من المودة وتجعل من العلاقة الانسانية رصيدا لا ينضب ،زوجة مقاوم ومناضل المرحوم الحاج محمد الجعادي عرفته المدينة بصدقه وثباته هو من غمرني بعطف الأب واهتمامه، وهي أحاطتني بعنايتها ودفء قلبها، حتى صرت أشعر أنني بين والدين لا بين معارف
الحاجة عائشة العسري (والدة الصديق عبد المالك العسري معد هذه السلسلة )
فيض حكمة
ومن الوجوه التي بقيت راسخة في ذاكرتي الحاجة عائشة العسري، امرأة يسبقها الوقار وتحيط بها أناقة الزمن الجميل. كانت تطل غالبا في بياض لباسها التطواني الأنيق، وهو أثر من طفولتها التي قضتها بمدينة تطوان، حيث بقيت في ذوقها ولمستها ملامح تلك المدينة العريقة.
كانت تحفظ القرآن الكريم وعدداً من المتون، ويشدك حديثها بما فيه من طرافة وعمق، يتخلله أحيانا لفظ عربي فصيح، وأحيانا كلمات إسبانية تأتي عفوية كأنها بقايا زمن عايشته وديعة الطبع، لكنها آسرة الحكاية، تستعيد أحداثا ووقائع من عهد الحماية بذاكرة يقظة
لم يكن مصحفها يفارقها، ولا نظارتها التي تقرأ بها، وكانت مثالا للمرأة المغربية الأصيلة: كرم، ووقار، وصدق مودة، وحكاية جميلة تروى كلما استعيدت أيام العرائش وتطوان والقصر الكبير
ومع مرور السنوات أدركت أن القصر الكبيرمنحتني مدينة عشت فيها زمنا جميلا، منحتني أيضاعائلات وقلوبا صادقة. وفي تلك البيوت، وبين أولئك النساء والرجال الذين عاملوني كابنة لهم، تعلمت أن الانتماء وإن كانت تصنعه الجغرافية ،كذلك تصنعه المودة الصادقة والعشرة الطيبة..