الحشاشين في القشاشين: قصة قصيرة.

21 أغسطس 2025


_ بقلم : ذ . زكرياء الساحلي .

في ريعان شبابنا كنا أربعة أصدقاء نرتاد مسجد الفتح/ مركز الدعوة والتبليغ، لكن ما إن نخرج من بابه، حتى تنتابنا رغبة قوية في تأسيس جماعة دينية أو طائفة خاصة نمارس فيها طقوسنا كيفما نشاء.
وهكذا، بعد كل صلاة العشاء نشتري كمية من الحشيش البلدي الأصيل، ثم ننزوي في “برتوش” لنا قابع في أحد الدروب المظلمة بحي القشاشين، هناك على ضوء مصباح يتيم كنا نتحلق على “كتاب الملل والنحل” لصاحبه (الشهرستاني) ثم نغوص في مناقشة محتواه صفحة صفحة، ونحن في ذات الوقت، نبرم الحشيش ونفتله بتمعن كأننا نفتل خيوطا سرية تربط بين الماضي والحاضر، فيعلو الدخان في السقف وتعلو معه أفكارنا المخدرة في سماء.
كنا في بداية مراهقتنا الفكرية وبداية الانفتاح على العالم الخارجي، وقد ساعدنا الكتاب في التعرف العميق على اليهودية بفرقها، والنصرانية بمذاهبها، والإسلام بشيعته وسنته وصوفيته وخوارجه… والنحل كالماجوسية والمانوية والصابئة… وفلاسفة اليونان والهند.
وجدنا أنفسنا منجذبون للحركات الباطنية أو ما سماهم الكتاب “بأهل التأويل” فقال صديقي الأول بعد أن نفث دخانه عاليا في سقف المنزل:
-لماذا لا نصنع طائفة خاصة بنا؟
ومع توالي الليالي بدأنا نرتب أهم الأفكار المستخرجة من الكتاب؛ كان صديقي الأول منجذبا للقرامطة، والثاني للفاطميون، أما أنا والثالث فقد تأثرنا بالإسماعيلية النزارية.
بعد أن دمجنا أفكارنا في مسودة، وصلنا إلى مرحلة إختيار إسم لطائفتنا؛ وبعد نقاش طويل وعسير استحضر المكان القابعين فيه والنبتة التي تحلق بنا في السماء للتأمل في ملكوت الله، أطلقنا على أنفسنا اسم “فرقة الحشاشين بالقشاشين”.
فصرت أنا الإمام، وصديقي الأول الحجة، والثاني الداعي، أما الثالث فهو المأذون.
واحتفالا بهذه الهيكلة الجديدة تعاطينا الكثير من الحشيش لأشهر طويلة، حتى غابت عنا أفكارنا التي تلاشت بين جدران تلك الغرفة البئيسة.
ولجت الجامعة واصطففت في صفوف اليسار مدعما الأفكار الماركسية اللينينية، وهاجر صديقي الأول إلى الديار الإسبانية، والثاني أضحى موظفا مرموقا في إحدى مدن المغرب النافع، أما ثالثنا فقد اختفى وانقطعت عنا أخباره (ربما قد يعود وهو المهدي المنتظر)
كلما تذكرت تلك الليالي أقول ساخرا:
لو لم نكثر من الحشيش في تلك الليالي الباردة، لكان لي اليوم أتباعا بمئات الآلاف، يبجلونني ويقدسون سري، وزاوية اضرب فيها الصرف باسم الدين فين تبان قدامها شي بوتشيشية أو كركرية.
*عارف: الحشاشون ماشي الحشاشين
* الصرف: الأموال المكتنزة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading