
ـ لبيب المسعدي :
المشهد: رصيف هادئ في حي الميناء الراقي بمدينة نيس، بعد غروب الشمس بقليل. هواء البحر منعش. أنا المتطوع، أقترب من رجل يجلس بهدوء على بطانية بجانب حقيبة متواضعة، وأقدم له وجبة ساخنة في علبة غدائية من الورق المقوى.
الحوار:
أنا: مساء الخير. تفضل وجبة ساخنة.
المتشرد يبتسم بلطف ويمد يده: شكرا لك. مساء الخير.
أجلس القرفصاء على الرصيف بجانبه لفترة، محترما صمته وهو يفتح العلبة بنظر امتنان.
أنا: الطقس جميل اليوم ودافئ مقارنة مع بداية الأسبوع.
هو يبتسم وهو ينظر إلى يخوت الميناء. نعم، الريفييرا تظهر جمالها الحقيقي عندما يهدأ الناس. كأن المدينة تتنفس.
(ينظف يديه بمنديل معطر ويبدأ بتناول الطعام بهدوء ونظام.
أنا: يبدو أنك تعرف المدينة جيدا.
هو: آه… نعم. وصلت هنا بداية عام 2020. قدر لي أن أستقبل العقد الجديد في محطة القطار. (يضحك ضحكة خفيفة قريبة إلى الثمالة، لا تحتوي على مرارة. ثم… جاء الحجر الصحي.
أنا: لا بد وأنها كانت فترة قاسية جدا للجميع، خاصة…
ألتقطت نفسي، محاولا عدم إكمال الجملة التي قد تبدو غير لائقة.
هو يقطع بصوته الهادئ الواضح، بلغة فرنسية سليمة مع نغمة إيطالية خفيفة: خاصة للناس مثلي؟ في الواقع، كانت فترة ذهبية. مفارقة القدر، أليس كذلك؟
ينظر إلي بنظرة تعرف أنها ستفاجئني.
هو: تخيل… شوارع نيس، هذه الجنة، خالية تماما. المطاعم الفاخرة، المقاهي، المحلات… كلها مغلقة. السكون يخيم. الناس محبوسون في منازلهم في هذه الشقق الفاخرة (يشير بذقنه نحو العمارات القريبة). وفجأة، أصبحت أنا، الذي كان يسير وكأنه شبح لا يراه أحد، عنصرا ضروريا.
أنا: كيف ذلك؟
هو (عيناه تلمعان بذكاء): لقد أصبحت ساعي البضائع، الوسيط، العيون في الخارج. بالنسبة للمسنين، وخاصة في هذا الحي، كانوا خائفين من الخروج. كنت أعرف المتاجر القليلة المفتوحة، البقالات، الصيدليات. تعلمت جدولة مشاويري. كانوا يتركون لي قوائم التسوق والنقود تحت سلة المهملات عند المدخل، أو يلوحون لي من الشرفات. أتذكر سيدة مسنة في الطابق الثالث كانت ترمي لي المفاتيح ملفوفة في منديل، لأشتري لها أدويتها وخبزها الساخن. كنت أضع المشتريات عند بابها وأعلق المفاتيح على المقبض. كنا نتبادل إيماءات من النوافذ. فجأة، كانوا يعرفون اسمي: (طارق) لم أعد المتشرد، أصبحت طارق، الملك المؤقت لمدينة أشباح.
يصمت قليلا، وكأنه يستعيد تلك الأيام.
أنا: كانت لديك خبرة في التجارة أو في خدمات التوصيل سابقا؟ أسلوبك منظم.
هو (يبتسم): في حياة أخرى… في إيطاليا. كنت أعمل في متجر كبير لألعاب الأطفال في ميلانو. كنت مسؤولا عن ترتيب العرض وإدارة المخزون. يتنهد برقة، كنت أجيد إسعاد الأطفال باختيار الهدية المناسبة. الحياة… غريبة.
أنا: إيطاليا… لهذا تتقن اللغة.
هو: Si, perfettamente. نعم، بإتقان. عشت هناك طويلا رفقة أختي تم مستقلا في بيتي كرب أسرة وأب مسؤول. ولكن الأقدار تأخذك في دروب لم تتوقعها. وأنا الآن هنا، على رصيف في نيس.
أسأل بحذر، محترما رغبته في عدم الخوض كثيرا.
أنا: أصلك مغربي، إذا لم أكن مخطئًا؟
هو: من مراكش. المدينة الحمراء. والدي… كان مديرا في أحد فنادقها الكبيرة. (يتوقف فجأة، ووجهه يتصلب قليلا). أما والدتي… (يهز رأسه ببطء، ويمسح فمه بالمنديل). بعض الصفحات… يفضل تركها مغلقة. السماء جميلة هذا المساء، وهذا يكفي.
(يشير إلى السماء التي بدأت تتحول إلى اللون الأزرق الداكن المائل إلى السواد.
أنا (أحترم صمته وأغير الموضوع): وما بعد الحجر؟ عندما عادت الحياة لطبيعتها؟
هو (يضحك ضحكة عريضة حقيقية هذه المرة): عاد كل شيء كما كان! استعادوا مطاعمهم ومقاهيهم وطرقاتهم. وأنا عدت إلى كوني قطعة ديكور غير مرئية على الرصيف. انتهت فترة حكمي! (يضحك). ولكن… تلك الأشهر علمتني شيئا. حتى في أكثر الأماكن بريقا، يوجد فراغ يحتاج إلى ملء. وأحيانا، يملؤه من لا يملكون شيئا سوى وقتهم وإنسانيتهم. وأيضا… أن الناس يخشون العزلة أكثر مما يخشون نحن.
ينهي وجبته وينظف العلبة بعناية، تم يقف لرميها في صندوق قمامة على مقربة منا.
هو: شكرا مرة أخرى. الوجبة كانت لذيذة. وأنت… استمر في هذا العمل. أنت لا تقدم مجرد طعام، أنت على الأقل تعترف بوجودنا. وهذا، في بعض الأيام، أهم من الطعام نفسه.
ويمد يده للمصافحة، يبدو وكأنه يقرأ أفكاري، أو ربما أفكاره الخاصة التي تسكته.
هو: أتعلم… في متجر الألعاب، كنت أراقب الأطفال. يأتون ويحدقون في الدمى أو السيارات الصغيرة. العيون التي ترى العالم كاحتمال واحد جميل. ثم يأتي الأهل، فيشرحون: هذه باهظة، هذه خطيرة، هذا ليس لمن هم في سن ابنتي… (يتوقف، ونظره يتجه نحو البحر الذي يحمل لون الرصاص الآن عاكساً ألوان إنارة المطاعم المنتشرة على ضفة الميناء. أحيانا أتساءل: متى نتحول نحن من أطفال لا يرون الاحتمالات كلها، إلى… أشياء مستبعدة ؟ إلى عناصر عقدتها المكتسبات والتجارب ومرور الأوغاد في حياتنا ؟ مدينة مثل هذه (يشير حوله) تبيع الوهم الجميل للجميع، لكنها توزع الواقع بقسوة. من يحق له الجلوس على هذه الكراسي المعدنية؟ من يحق له النوم تحتها؟
أنا: (أحاول الرد) الحدود. الحظ. القدر.
هو: (يقطعني بلطف، وكأنه لا يريد إجابة) الحدود ليست جغرافيا فقط. بل هي نظرات. هي باب متجر لا تدخله لأن حذاءك متسخ. هي اعتبار وجودك مشهدا حزينا يزعج جمال المدينة. الجميع يحبون جنة الريفييرا، لكن لا أحد يريد أن يرى شجرة آدم فيها عارية، بدون ورقة تين. (يبتسم ابتسامة لا تصل إلى عينيه). حتى في الجنة، هناك من يطرد.
يسعل قليلا، ثم ينهض. ظله يمتد طويلا على الرصيف تحت أضواء الشوارع الذهبية المشتعلة.
هو: الحجر الصحي كان جنونا. لقد قلب المعادلة: جعل الخائفين داخل أقفاصهم الذهبية، وجعلنا نحن، الظلال، سادة الشوارع. لقد أعطانا وجهاً، إسما، مهمة. ثم انتهى العرض. والآن، السؤال الذي يطاردني وأنا هنا كل ليلة: أي الواقعين كان الوهم؟ هل كان (طارق) المساعد الأساسي للساكنة الخائفة من الموت هو الحقيقة؟ أم أن (المتشرد) الذي تراه الآن هو الحقيقة؟ أم أن كليهما وهم، وأنا في الحقيقة مجرد دمية في متجر ألعاب كبير جدا، يلعب بها القدر ثم يرميها في الزاوية حين يمل؟
(ينفض الغبار الخفيف عن سرواله. صوته يصبح أكثر سرية، كأنه يخاطب البحر أكثر مني.)
هو: تقولون (متشرد مهمش). ولكن من يرسم الهامش؟ ومن يمنح نفسه حق أن يكون مركز الصفحة؟ هذه المدينة تتلألأ لأن هناك ظلالاً تعكس نورها. أنا ظلها. وربما، في الليالي الماطلة، أكون انعكاسها الأكثر صدقا.
(يبدأ بالابتعاد، ثم يلتفت للمرة الأخيرة.)
يسأل: وأنت أين كنت في فترة الصحي؟
حاولت أن أجيب تم ابتسمت قائلا: يلزمنا معا ليالي طويلة من الحديث لأشرح لك ولأصف لك ولو نسبيا ما عايشت وعشت فترة الحجر الصحي، ربما في فرصة أخرى إن شاء الله.
هو: شكرا على الوجبة… وعلى الحديث. كن حذرًا. في هذه المدينة، أحيانا يصبح الحلم الواقعي مخيفا، والواقع الحلم هو الملجأ الوحيد. Arrivederci. وإلى لقاء… في حديقة الوهم هذه.
يمشي مبتعدا، لا نحو الظلام، بل نحو دائرة ضوء مصباح شارع بعيد. جسده يبدو للوهلة الأولى مندمجا مع الظل، ثم يظهر واضحا تحت الضوء الأصفر، ثم يذوب مرة أخرى في منطقة رمادية بين مصباح وآخر. كأنه يتراقص على خط الهامش نفسه، مرئيا ثم غير مرئي، أساسيا ثم ثانويا، حقيقيا ثم وهميا. تاركا إياي على رصيف الميناء، مع سؤال يطن في رأسي: من منا كان يقدم الخدمة للآخر في هذه الليلة؟ ومن منا كان، حقا، المتطوع؟