
_ الأديب محمد الجباري :
أنا كاتب
أنسج مع شخصياتي علاقة ما لا تفكّها السنين والأعوام،
أصادقهم كما لو كانوا لحمًا وذاكرة،
وحين يخاصمني العالم،
أعود… لا هربًا، بل عودةً إلى نفسي الأخرى.
أدخل عالمي الثاني،
فتستقبلني امرأةٌ حنونة
خرجت من إحدى قصصي،
بقلبٍ أبيض
كأن حنان العالم كله أودِع فيه.
أدفن رأسي في صدرها
لا لأختبئ،
بل لأتذكّر كيف يبدو الأمان حين لا يُشترط.
وإذا ما خذلني صديق،
أسرع إلى العمّ الطيب،
بطلٌ من قصص الوفاء،
لا يرفع صوته ولا يقسو كثيرًا،
يكفي أن يكون حاضرًا
كي يخفّ ثقل الخذلان.
ومع مرور الأيام،
صار الطريق إلى ذلك العالم أقصر من تنهيدة،
وصار غيابي عن الحياة أطول من اللازم.
أزوره أكثر…
وأغيب أكثر.
حتى أنني لم أعد أعرف
متى كانت آخر مرة وطئتُ فيها عالمي الحقيقي،
ذلك العالم
حيث الأمان أقل،
والحبّ أقل،
والقلوب تتعب قبل أن تطمئن.
صرتُ أعيش بين عالمين:
واحدٍ يوجعني بصدق،
وآخر يربّت على ألمي بحنانٍ
أُشفق على من يظنّ أنني أعيش وحدةً قاسية،
فداخلي مزدحم حدّ الاكتظاظ،
تعجّ به وجوهٌ وأصوات
وأحداثٌ أثّثتُ بها قصصي
فصارت تؤثّثني.
أنا محاطٌ بشخصياتٍ تعرفني أكثر
مما يعرفني العابرون،
تجلس معي،
تجادلني،
وتشاركني الصمت حين يعجز الكلام.
قد يبدو مقعدي فارغًا من الخارج،
لكن عالمي ممتلئ حدّ الفيض،
مكتظّ بحيواتٍ صنعتُها،
ثم صنعتني من جديد.
وحدتي ليست فراغًا،
إنها امتلاءٌ لا يراه
إلا من جرّب أن يسكنه الخيال
محمد الجباري