
ذة : سمية نخشى :
الذكرى السابعة للرحيل….
ومضة من ذاكرة تأبى النسيان :
” من كان منكم بلا خطيئة……”
و نحن نستمتع بجلسة عائلية، نتبادل فيها ، انا و أفراد أسرتي، أطراف الحديث الذي تداعت بنا منعرجاته لمواضيع في مجالات شتى : سياسية، اجتماعية، ثقافية…..إذا به يعرج بنا ، في سياق التطرق لأزمة القيم التي تنسف أركان مجتمعنا اليوم ، على سيرة سيدة معروفة في أوساط المدينة بسلوكها المثير للجدل ، و بانفلاتها الأخلاقي . بسرعة نصبت قاعة المحكمة ، و بدأت الانتقادات اللاذعة التي استهلت أطوار المحاكمة التي لم أكن أعرف إلى أي أحكام ستقودنا.
بهدوئه المعتاد ،و بنبرة صوته الدافئة ، أجهض فقيدي عبد القادر ، و في لمح البصر ، تلك المحاولة و هو يردد بصوت يكاد يكون خافتا عبارة جعلت الجميع يلوذ بالصمت و الكل ينزوي في مكانه : ” من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ”
جزمت و من الوهلة الأولى انها كلمة السيد المسيح رغم أنني كنت ، يومها ، أول مرة أسمعها، فنبرة التسامح العالية فيها تؤكد أنها له ، ذلك التسامح الذي يغيظني احيانا في سياقات مغايرة ، مثل عبارة ” اذا ضربك أحد على خدك الأيمن ، أدر له خدك الأيسر ” فمنسوب العنف داخلي ، على ضآلته ، لا يستجيب أبدا لهذه الموعظة.
هي كلمة تروى عن المسيح عليه السلام في قصة امرأة متهمة بالفاحشة ، فعزم الكهنة و أتباعهم على إعدامها رجما بالحجارة ، و أرادوا إحراج السيد المسيح بتوريطه في المشاركة في ذلك أو أن يقف موقف المعترض على شريعة
موسى عليه السلام فيتهم في عقيدته .
ورد في إنجيل يوحنا 8 :” و لما استمروا يسألونه ، انتصب و قال لهم ، من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر، فلما سمعوا هذا الكلام انسحبوا جميعا ، الواحد تلو الآخر ابتداءا من الشيوخ ، و بقي يسوع وحده و المرأة واقفة في مكانها ، فاعتدل و قال لها : أين هم أيتها المرأة؟ ألم يحكم عليك أحد منهم ؟ أجابت : لا أحد يا سيد ، فقال لها : و أنا لا أحكم عليك و لا تعودي للخطأ ”
أذهلتني سرعة بديهة أخي و سعة اطلاعه ، كما أبهرتني رحابة صدره و ميله للتسامح الذي لا يعني أبدا التشجيع على الرذيلة ، و ليس من باب الترويج لأي منعطفات أخلاقية من تلك التي تدعو اليوم لاستباحة العلاقات الرضائية أو تقبل فكرة ” المساكنة “أو التطبيع مع أشكال الشذوذ الأخلاقي التي بدأت ألوانها تطفو على واجهة المشهد الاجتماعي و القانوني ، فقواعد تربيتنا الدينية خط أحمر.
و إنما هو التسامح الذي يعني تقبل الآخر و محاولةإحتوائه بأخطائه و انزلاقاته ضد خطاب الكراهية و التمييز داخل المجتمع . و هذه دعوة لمراعاة الخصوصية الإنسانية و احترام لحظات ضعف الإنسان و سقوطه . و هي كذلك محاولة لخلخلة المواقف المتحجرة التي تصدر الأحكام دون مراعاة حيثيات الواقعة أو النازلة ، متجاهلة أن الإنصاف في الحكم أفضل من العدل ، فإذا كان العدل هو تطبيق القانون فالإنصاف هو الإجتهاد في تطبيقه بمراعاة الجانب الإنساني .
والظروف أحيانا قد تجبر الناس على إتيان أفعال ، هم أنفسهم لا يتقبلونها ، و ذلك إما بتأثير عوامل اقتصادية مثل الفقر ، نفسية مرضية مثل الأكتئاب أو إجتماعية مثل التفكك الأسري…….
فلسنا دائما أحرارا في اختياراتنا، سلوكاتنا و أفعالنا ، بل تمليها علينا أحيانا كثيرة إكراهات تتجاوز إرادتنا ، فتصدر عنا أفعالا ، نحن أنفسنا نجهل سبب قيامنا بها مثل تلك التي تكون دوافعها لاشعورية .
فكم من زانية رمى بها جوع أطفالها لأوكار الرذيلة ، و كم من سارق لم يصمد أمام جور ظروفه و ضيق ذات يده و كم من قاصر لوحت به قساوة المعيش اليومي للارتماء في أحضان اليم في اتجاه مدينة سبتة عبورا للضفة الأخرى رغم صرخات و دموع الأم .
و هنا تحضرني قولة الفيلسوف فرديرك إنجلز ” قبل أن تعاقب السارق ، إقض على أسباب السرقة ”
الحياة ليست دائما منصفة و الإنسان غير معصوم من الخطأ ، فلا داعي لخطاب التعالي الذي يجعلنا دائما متأهبين لإصدار سيول أحكام القيمة الجاهزة و الانتقادات المشروعة و غير المشروعة و متوثبين لاقتناص أخطاء الآخرين و تسليط الضوء عليها مقابل التعتيم على زلاتنا . كل هذا إرضاءا لعاهاتنا النفسية و إثباتا لذوات منخورة تسعى للظهور و لو مؤقتا بجلد الآخرين و التربص بهم.
هذه كانت أخلاق أخي و فقيدي عبد القادر مبنية على التسامح و التآخي و المحبة مؤمنا و بيقين المؤمن الصادق ان ” الله محبة ”
طيبة قلب أخي كانت تسع العالم الذي جعله الأوغاد يضيق عليه بما رحب، فلله الأمر من قبل و من بعد.
رحمك الله أخي الغالي
رحم الله شهداء غزة
رحم الله موتاكم و موتانا و موتى الإنسانية جمعاء
سمية نخشى في 20\09\2024