الطفل الذي كنته : ذ. عادل البدوي

26 أبريل 2022

الطفل الذي كنته ” سلسلة رمضانية” تعدها الإعلامية أمينة بنونة .
ترصد السلسلة من خلال ضيوفها – كتابا وكاتبات أدباء وفاعلين في الحقل الثقافي – تجارب خاصة بمرحلة الطفولة والتي عادة ما تشكل بوادر توجهاتنا ومساراتنا المستقبلية
********************

ولدت بحي فاطمة الأندلسية في بداية العطلة الصيفية، لأنتقل عند نهايتها إلى منطقة “بني جرفط” ،حيث كان والدي يعمل مدرسا، تقول والدتي أنها كانت فترة جميلة رغم قسوتها.. و يقولون أنني تكلمت و مشيت قبل إتمام التسعة أشهر، و هو الأمر الذي لطالما كان محل شك و سخرية من إخوتي… لينتقل والدي في الموسم الموالي إلى مدرسة التوحيد، و لنعود للسكن بمنزل العائلة الذي بدأ يضيق بالعائلة الكبيرة التي أصبحت تستقبل مولودا أو مولودين كل السنة!! ليقرر والدي بعدها الانتقال إلى منزلنا الحديث البناء و غير المكتمل بالمرينة. و المرينة حينها كانت عبارة عن أرض خلاء، مغبرة صيفا، و موحلة شتاء، و موحشة دائما… كنت حينها في السابعة من عمري، و أتذكر أن الوالد رحمه الله كان قد بدأ يكلفني بمهام لا تناسب أبدا سني، كأن أذهب للبريد و أقبض راتبه، أو يرسلني لتجار مواد البناء، و قد تزامنت هذه الفترة مع بداية انشغال والدي بأمور السياسة و النقابة، و حتى المشاركة في تسيير فريق المدينة، و قد كان لهذه الفترة أثر بلغ في تشكل شخصيتي.. فقد كان والدي يأخذني معه لمقر الحزب أحيانا، و كنت أشاهده يخطب في الآلاف في مناسبة فاتح ماي، و كان بيتنا يحظى بزيارات مسؤولين حزبيين محليين و وطنيين…
غير أنه الحضور البارز لوالدي في المشهد السياسي، كان يقابله “شبه غياب” على المستوى الأسري، فقد مر بنا وقت كنا لا نراه إلا عند منتصف الليل، لهذا كانت والدتي هي الربان الحقيقي للمنزل..
و الحقيقة أنني قد أخذت من والدتي طبعها المتحفظ، عكس طبع والدي “الشعبي”… ففي طفولتي لم يكن لدي أصدقاء، و كنت أقضي معظم أوقاتي بالمنزل، و حيث أنه لا وسيلة للتسلية حينها بالمنزل، فقد أدمنت على قراءة الكتب الموجودة بخزانة الوالد… و الاستماع إلى الأزلية على أمواج الإذاعة الوطنية، لأقع في حب صوت السيدة فيروز، و أدمن الاستماع إلى أغانيها..
في فصل الصيف كان يلذ لي التسكع في المدينة، بين أكوام البطيخ و “الدلاح”، و كنت أستمتع كثيرا بالوقوف في الحلقات المنتشرة بالمرينة، فكنت أستعجب لشخص يلاعب العقارب، و أمامه صناديق يقول أن بها حيات كبيرة سيخرجها، لكنها لم يخرجها أبدا!! غير أن ما كان يبهرني في الحلقة شخص يحكي “ألف ليلة و ليلة”، شخص قصير القامة متوسط العمر، يلبس قميصا مفتوح الصدر، و يمسك بكتاب مهترئ، بينما يتطاير لعابه و هو يحكي حكايات اكتشفت -بعد قراءة ألف ليلة و ليلة- أنه كان يضيف لها الكثير من خياله… كنت أسبح في العوالم العجائبية للحكايات، و لا يخرجني منها إلا التوقفات “اللئيمة” للحاكي حين يطلب مالا… لقد كان بشكل ما يلعب دور “شهرزاد” في التحكم في إيقاع الحكي.. و كنا مستسلمين تماما كالمسكين “شهريار”..
في طفولتي المتأخرة صرت تلميذا في إعدادية بعيدة عن منزلنا، و صار لدي أصدقاء جد قلائل، لكنني بقيت ذلك التلميذ المنعزل المفرط التهذيب، تعلمت عادات جديدة، كالذهاب للسينما كلما سنحت الفرصة، لم أكن أحب الأفلام الهندية التي تعرضها سينما “بيريز كالدوز” و لا أفلام الحركة التي تعرضها سينما “المنصور” بل كنت أعشق الذهلب لسينما “اسطوريا”.. في عرض السابعة، و أجلس في منطقة معينة، و أستسلم للضوء المبهر التي يحمل أفلام ذات قيمة عالية…
وختاما أعتذر عن الإطالة، و أتقدم بالشكر للسيدة أمينة بنونة على دعوتي للمشاركة في هذه السلسة الرمضانية.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading