حين لبس الإستعمار عمامة الفقيه Édouard Michaux Bellâtre.

4 سبتمبر 2026


بقلم: محمد التطواني.

رجل بلحية خفيفة يرتدي جلبابا مغربيا تقليديا ابيض وفوق رأسه عمامة بيضاء، توحي هيئته بالزهد والتقوى. عرفه أهل القصر الكبير والشمال باسم “الفقيه الحاج عبد السلام بيلار” أو “ولد القاضي”. نمودج الخديعة البشرية.
كان الناس يتبركون به ويقبلون يده، ويقصدونه للفتوى والصلاة. ولكن وراء هذه الصورة التي أوحت بالصلاح، كانت تختبئ حقيقة أخرى؛ فاسمه الحقيقي لم يكن عبد السلام، وانما ادوارد ميشو بلير؛ جاسوس وسوسيولوجي كولونيالي فرنسي تخصص في علم والانثروبولوجيا، اهتم بثقافة الإسلامية و المكون البربري بالمغرب.
أرسلته فرنسا إلى طنجة سنة 1884م لا ببندقية ولا بجيش، وإنما بدفتر ملاحظات. كانت مهمته أن يخترق المجتمع المغربي من الداخل، أن يفهم تركيبته وعاداته وعلاقاته وصراعاته، وأن يرفع تقارير دقيقة تمهد للمشروع الاستعماري الذي كان يتقدم نحو المغرب بخطى ثابتة. ولأجل ذلك ادّعى اعتناق الإسلام، وتقمص شخصية: الحاج عبد السلام، وارتدى لباس المسلمين، وتعلم اللهجة الدارجة، وحفظ القرآن ودرس الفقه.
ثم انتقل إلى مدينة القصر الكبير واستقر في منطقة “الشريعة” حيث يسكن الفقهاء والقضاة والأعيان، وتزوج من امرأة من أهل المدينة ربما قد يكون اسمها الحاتمية (لنذكر جيدا ان الرجل كان جاسوسا أي لم يوثق حياته الشخصية طبع اما المؤرخين الذين وثقوا عليه اكتفوا بأعماله وتقاريره الاستعمارية وليس حياته).
هناك لم يكتفِ بمخالطة الناس، بل تعمق في حياتهم حتى غدا واحدًا منهم في أعينهم. كان يؤمهم في الصلاة ويفتيهم في دينهم، وكان يركب جواده في الأسواق وحوله العامة يتبركون به. وهكذا صنع لنفسه هالة من الثقة والهيبة، حتى غاب الرجل الذي جاء بعين أخرى غير عين الفقيه، وبقلم آخر غير قلم العالم.
ولما قضى حاجته واستوفى ما أراد من المعلومات، انتقل سنة 1907م إلى الرباط وسلا، ثم عُين رئيسًا للبعثة العلمية الفرنسية في المغرب. وتحولت أبحاثه وملاحظاته إلى كنز ثمين للإدارة الاستعمارية، مكّنها من فهم المجتمع المغربي والتغلغل في بنيته. فلم يترك كبيرة ولا صغيرة إلا دونها، كتب عن مدن المغرب وقبائله وعائلاته، وعن نظام الجبايات والأوقاف والعقار والتعليم، وترجم كتبًا في الفقه والتجويد، ودرس ما سماه “التقاليد البربرية”. بل وكان أول من انتبه إلى ثنائية “العرب والبربر” كمدخل يمكن توظيفه في سياسة “فرّق تسد” وهي السياسة التي تجلت لاحقًا في “الظهير البربري” سنة 1930م، فأصبح رمزًا في الذاكرة المغربية لسياسة سعت إلى إعادة تشكيل المجتمع بما يخدم مصالح فرنسا. وتوفي ميشو في 13 مايو 1930م في الرباط عن عمر 72 سنة بعد أن أدى مهمته كاملة.
إن قصة هذا الرجل تذكرنا بحقيقة غائبة؛ فالاستعمار لا يبدأ بالجندي الذي يعبر الحدود، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير. يبدأ حين تتحول المعرفة إلى أداة هيمنة، وحين تصبح دراسة الشعوب وسيلة لإخضاعها، وحين تتحول العلوم من أدوات لفهم الإنسان إلى خرائط للسيطرة عليه. والأخطر من المستعمر الذي تعرفه هو الذي يدخل إليك في ثوب الناصح، ويتحدث بلسانك، ويستعمل مقدساتك، ثم يقنعك أن ترى في أخيك عدوًا لأن لونه مختلف أو لغته مختلفة أو أصله مختلف.
لذلك ليس كل من لبس العمامة وحمل السجادة وقصد الجامع أمينًا، وليس كل من تكلم باسم الدين أو القومية أو الهوية مخلصًا. الميزان هو الحق والعدل ووحدة الصف. قال تعالى: ” ان هده أمتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون “.
فلا تجعلوا من اختلافات أعراقكم وأنسابكم ولغاتكم سبيلًا إلى تمزيق صفكم، ولا تسمحوا لمن أراد تفريقكم أن يتخذ منكم أدوات لتمزيقكم.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading