
بقلم: احمد الشواي
نعم،
وأظن أن السؤال الذي أطرحه أعمق من مجرد السؤال عن وجود دار للثقافة. فالمؤسسة الثقافية ليست بناية، والبرنامج الثقافي ليس رزنامة أنشطة. المسألة في جوهرها هي: ما العلاقة التي نريد أن نبنيها بين الثقافة والمجتمع؟
يمكن أن ننظر إليها واقعياً من هذه الزاوية:
المؤسسة الثقافية والمجتمع: من يملك المشروع؟
كثيراً ما نبدأ النقاش من المكان: نحتاج إلى دار للثقافة، مكتبة، قاعة للعروض، مركز ثقافي، مهرجان… وكأن توفير الفضاء سيؤدي تلقائياً إلى إنتاج الثقافة.
لكن التجربة تقول شيئاً آخر.
قد تكون لدينا بنايات جميلة ومجهزة، وبرامج كثيرة، وملصقات تملأ الفضاء الرقمي، ومع ذلك يبقى المجتمع خارج المؤسسة الثقافية. يدخل إليها في مناسبة، أو لحضور عرض، ثم يعود إلى حياته اليومية دون أن يشعر أن تلك المؤسسة جزء من حياته.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي:
هل المؤسسة الثقافية جاءت إلى المجتمع، أم أن المجتمع هو الذي يُطلب منه أن يأتي إليها؟
الفرق كبير.
فالمؤسسة التي تنتظر الجمهور لكي يأتي إليها تظل، في الغالب، مؤسسة تقدم خدمات ثقافية. أما المؤسسة التي تنطلق من حاجات المجتمع وأسئلته وذاكرته ومواهبه وتناقضاته، فإنها تتحول إلى فاعل ثقافي.
الثقافة ليست نشاطاً موسمياً
المشكلة ليست في كثرة الأنشطة أو قلتها، بل في السؤال الذي يسبقها:
لماذا نقيم هذا النشاط؟ ولمن؟ وماذا نريد أن يحدث بعده؟
قد تنظم مؤسسة ثقافية عشرات الندوات والمعارض والحفلات، لكنها لا تترك أثراً حقيقياً في المدينة.
وفي المقابل، قد يبدأ مشروع ثقافي صغير من مجموعة من الشباب، أو فنان، أو مكتبة، أو جمعية، لكنه ينجح في خلق عادة جديدة لدى الناس: القراءة، النقاش، الكتابة، الموسيقى، المسرح، حفظ الذاكرة المحلية، الاهتمام بالتراث…
هنا تبدأ الثقافة الحقيقية.
لأن الثقافة ليست عدد الأنشطة، وإنما قدرتها على تغيير علاقة الإنسان بذاته وبمدينته وبالآخرين.
من المجتمع يجب أن يبدأ المشروع الثقافي
المؤسسة الثقافية الجادة لا ينبغي أن تسأل فقط:
ماذا سنقدم للناس؟
بل عليها أن تسأل أيضاً:
ماذا يريد الناس أن يقولوا؟
ماذا يعرفون ولا يجدون من يسمعهم؟
ما مواهبهم التي لم تجد فضاءً؟
ما ذاكرتهم التي بدأت تختفي؟
وما الأسئلة التي تؤرق مجتمعهم؟
وهنا تتحول المؤسسة من موزع للثقافة إلى وسيط بين المجتمع والثقافة.
وهذا التحول مهم جداً، خصوصاً في المدن الصغيرة والمتوسطة؛ لأن الثقافة فيها لا تحتاج دائماً إلى مشاريع ضخمة بقدر حاجتها إلى مشروع يعرف المدينة وأهلها، ويكتشف طاقاتها، ويمنحها إمكانية التعبير عن نفسها.
وماذا عن القنوات الرقمية؟
المفارقة اليوم أننا نعيش وسط فيض هائل من المحتوى الثقافي: فيديوهات، صفحات، بودكاست، موسيقى، صور، نقاشات، محاضرات…
لكن كثرة المحتوى لا تعني بالضرورة وجود مشروع ثقافي.
فالخوارزمية قد تمنحنا ملايين المواد، لكنها لا تمنحنا بالضرورة معنى مشتركاً.
وهنا يمكن للمؤسسة الثقافية أن تلعب دوراً جديداً: أن تساعد المجتمع على الانتقال من استهلاك المحتوى إلى إنتاج المعنى.
بدلاً من أن يكون الشاب مجرد متلقٍ لما يأتيه عبر الهاتف، يمكن أن يصبح راوياً لذاكرة مدينته، أو مصوراً لتفاصيلها، أو كاتباً، أو موسيقياً، أو باحثاً في تاريخها، أو فاعلاً في نقاشاتها.
عندها تصبح المؤسسة الثقافية امتداداً للمجتمع، لا جزيرة معزولة عنه.
لذلك أعود إلى السؤال الأول
حين نقول:
نحن بحاجة إلى دار للثقافة.
يجب أن نضيف مباشرة:
أي دار للثقافة؟ ولأي مشروع ثقافي؟ ولأي مجتمع؟
لأننا إذا بنينا الدار أولاً ثم بحثنا لاحقاً عن المشروع، فقد نحصل على بناية ثقافية جميلة.
أما إذا بدأنا بالمشروع، وحددنا حاجات المجتمع وطاقاته وذاكرته، ثم بحثنا عن المكان الذي يحتضنه، فقد نبني شيئاً أكبر من دار للثقافة:
قد نبني ثقافة المدينة نفسها.
وهذا، في رأيي، هو السؤال الذي يستحق أن نفتحه للنقاش:
هل نحتاج فعلاً إلى مزيد من المؤسسات الثقافية، أم أننا نحتاج قبل ذلك إلى مشروع ثقافي يجعل المؤسسة ضرورة اجتماعية لا مجرد بناية إدارية؟
ح.31/08/2026