
بقلم: محمد التطوانـــــي.
فوق تلال المقبرة الأطلسية الباردة بحي بوحسينة في مدينة العرائش، وبين شواهد القبور الإسبانية القديمة، يرقد وحيداً رجل لم يشبه أحدا.
اسمه جان جينيه؛ فرنسي في جواز سفره، لقيط في شهادة ميلاده، متمرد صعلوك حقيقي في حياته كلها. قالها مرة بمرارة: “سرقت لأني كنت جائعاً”.
ولد في باريس، “عاصمة النور”، من والدين مجهولين. فكانت بدايته كطفل متخلى عنه، في ملاجئ باردة، ودور رعاية قاسية، ثم في الإصلاحيات والسجون.
لكن السجن لم يكسره، بل صنعه. بين الجدران المتعفنة والظلام قرأ الأدب العالمي كله، وبدأ يكتب بدمه لا بحبره.
كانت أولى صرخاته “المحكوم بالإعدام”.كتب عن اللصوص والمتشردين والمنبوذين لأنه كان منهم. كتب: “يوميات سارق” و “سيدة الزهور” و “الخادمات” و “الشاشات” و “سجين الحب” …
حتى هزت كلماته صالونات باريس الأدبية، وخرج كبار المثقفين يطالبون بالعفو عن هذا السجين المحكوم بالمؤبد. وقف جان كوكتو وسارتر وسيمون دي بوفوار إلى جانبه، وأنقذوا موهبة التي كانت ستموت خلف القضبان.
لم يكن جينيه مجرد أديب يكتب عن الهامش. كان يحيا في قلب القضاياوقف ضد العنصرية. سافر إلى فلسطين وعاش مع الفدائيين. وكتب عن الغزو الإسرائيلي للبنان بجرأة أوجعته وأوجعت العالم
كان مثقفاً ملتزماً، لكنه ظل حتى آخر عمره يكره الأضواء ويحب الشوارع الخلفية. وكان للمغرب، وتحديداً للعرائش، قصة أخرى في قلبه.
كان لقائه بمحمد شكري صدفة بمقهى “السنطرال” بطنجة، تلك الصدفة وثقها شكري لاحقاً في كتابه “جان جينيه في طنجة”
ومن طنجة شدّه الحنين جنوباً إلى العرائش. أحب المدينة الصغيرة، وأحب بحرها، وأحب سكانها البسطاء. كان يمشي في أزقتها بجلباب مغربي أصيل. يجلس في مقهى “ليكسوس” وحيداً يقرأ الجرائد. ثم ينزل إلى الميناء يتحدث إلى الصيادين. وفي النهاية كان يصعد فوق صخرة كبيرة، صامتاً، يتأمل الأمواج .. كأنه يبحث فيها عن أب ضائع أو وطن لم يجده.
اختار عائلة محمد القطراني واحتضنته. وعندما ضاق به العالم كله، أوصى أن يُدفن هنا، لا في باريس ولا في أي مقبرة للعظماء، أوصى أن يعود ترابه إلى تراب العرائش، وأن يكون قبره بسيطاً شبيهاً بقبور البسطاء في المدينة.
عاش جان قليل العناية بنظافته، كثير القراءة، مليئاً بالتناقضات والإثارة والتمويه، ومات بعد ألم ومعاناة مع سرطان الحنجرة، في المكان الذي اختاره هو. واليوم يرقد في المقبرة الإسبانية بهدوء، بعيداً عن ضجيج باريس، قريباً من البحر الذي كان يجالسه كل مساء تحت الشجرة.
بعض البشر لا يولدون في البيوت، ولا يموتون في المستشفيات بعضهم يولدون في الهامش، ويموتون حيث وجدوا لحظة حب.
وجان جينيه وجد لحظة الحب تلك في العرائش، فقرر أن ينام فيها للأبد.