
بقلم : أسماء التمالح
تزامن وصولي إلى مدينتي الأم القصر الكبير على متن القطار مع لحظة إيقاف السلطات الأمنية بمحطة القطار لعدد من الشباب الراغب في الهجرة غير النظامية إلى سبتة المحتلة ومنها إلى إسبانيا، إذ بمجرد نزولي من سلم القطار وجدت نفسي وجها لوجه مع كوكبة من رجال الأمن والقوات المساعدة وهم يحاصرون شبابا راغبا في الهجرة غير النظامية حاول فرد منهم الفرار غير أن رجال الأمن صدوه عن ذلك في حينه، وأقعدوه أرضا إلى جانب زملائه.
في الحقيقة كنت أتمنى أن لا أقف على هذه المشاهد المؤثرة والمؤسفة، وكنت أود لو أن شبابنا ٱستفادوا من دروس غيرهم وعدلوا عن فكرة الهجرة غير النظامية هاته ( الحريك)، وفكروا في حلول أخرى لبناء مستقبل ذو أساس متين صلب، مضمون النتائج نسبيا والضامن هو الله عز وجل في الأول والأخير، فلا يعرضون ارواحهم للمخاطر ولا يلقون بأنفسهم للتهلكة..
بمجرد وصول القطار إلى محطة القصر الكبير سارع بعض العاملين به إلى إقفال الأبواب والسماح بعدد محدد منها مفتوحا في وجه الركاب كي ينزلوا منها، بينما عمل البعض الآخر على تنظيم عملية الهبوط وفلترة المسافرين الآخرين الصاعدين القطار، كانت عملية ٱستحسنتها وحبذا لو تكون دائمة وليست موسمية تحضر وقت المحن والأزمات فقط، وذلك لما تحققه من تنظيم محكم وتيسير لصعود وهبوط بدون مشاكل ناجمة عن الازدحام والمشاداة الكلامية وغيرها.
كان أحد المقبوض عليهم يصرخ بصوت عال ويحتج على انقضاض رجال الأمن عليه بدعوى أنه مواطن وعليهم وضع القيد ( المينوط) في يديه وتصفيده بدل مسكه بأيديهم بقوة وٱقتياده نحو مكان معزول لحين قدوم سيارة الأمن الوطني وترحيله إلى مخفر الشرطة لٱستئناف الإجراءات القانونية المعمول بها.
لم أطق صراخ الأخ المدوي بالمحطة وأنا متعبة من السفر، غادرت سريعا نحو الخارج وفي داخلي وجع هذا الواقع الكئيب الذي نعيشه جميعا بسبب تكرار مآسي الهجرة غير النظامية التي ما فتئت إرهاصاتها تتحول من طابع السرية إلى العلن والتدفق بشكل جماعي ضخم ومخيف، يلفظ من خلاله البحر ما يلفظ من جثث ويلقي بما تبقى إلى بر الأمان والمصير المجهول.
حري بنا التذكير أن المستقبل لا يأتي مطلقا بتعريض النفس للموت، فالمستقبل يأتي ببذل المجهود وبالعمل والمثابرة والصبر الطويل، والمستقبل يبنى بعرق الجبين، وبالعقل الحكيم والتفكير العقلاني السليم، وأي مجازفة بالروح هي تنهي الحياة وتغيب المستقبل المشرق الذي ينشده المهاجرون.
لذلك، هناك نوع آمن من الهجرة لعشاق الهجرة إلى الخارج، نوع يحفظ كرامتهم، ويؤمن قوتهم، ويسهل عبورهم بسلام، وهو أن يشتغلوا على أنفسهم، ويطوروا مهاراتهم، ويبحثوا عن ذواتهم داخل وطنهم الأم قبل أن ينطلقوا إلى غيره من الأوطان، لأن الهجرة إلى الضفاف الأخرى بأوراق قانونية وبشواهد ودبلومات معترف بها، ليست كالهجرة بالعدم واللاشيء، فالصفر يحتاج أرقاما أخرى ليتطور، ويحتاج لإيجابية تغذي سلبيته، ولروح تضخ فيه الدم ليزيد إلى الأمام ويغدو رقما صعبا ذا أهمية وحضور ..
لكل بلد مشاكله ونواقصه، ولا يحسبن شبابنا وغيرهم أن الهجرة خارج الوطن هي هجرة إلى أفسح الجنان، إنما هي تعب جديد، وعمل مضني جديد يتطلب قوة التحمل أضعاف مضاعفة عما ألفه في بلده وسط أهله وذويه.
كان الله في عون الجميع، وأنار بصيرة الخلق وهداهم إلى الطريق المستقيم الذي يحقق الخير والرضا والقناعة ويقيهم شر الأوهام والفتن القاتلة.