حوارات : مع عبد اللطيف أحيدار: الفلسفة في قلب التحولات التربوية

منذ ساعة واحدة
Oplus_131072

حاورته أمينة بنونة

يشكل هذا الحوار مناسبة للتفكير في إحدى أكثر القضايا إلحاحا في المجتمع المغربي، وهي قضية التربية والتعليم، وما يرتبط بها من رهانات الإصلاح، وتحديات المدرسة العمومية، ومستقبل تدريس الفلسفة في ظل التحولات الرقمية والمعرفية المتسارعة. فمن خلال هذا الحوار، يقدم الأستاذ عبد الصمد أحيدار، مفتش منسق مادة الفلسفة بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، رؤية نقدية تستند إلى خبرته الميدانية وتكوينه الأكاديمي، لتشخيص واقع المنظومة التربوية المغربية، والكشف عن أبرز الإكراهات التي تعترضها، مع اقتراح مداخل عملية لتجاوزها.

المحور الثالث: النص الفلسفي والدعامات البيداغوجية.

9)- لماذا يحتل النص الفلسفي موقعا مركزبا في تدريس الفلسفة؟

ج – بالرجوع إلى وثيقة “التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي” الصادرة عن مديرية المناهج بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة لسنة 2007، والتي تمثل الوثيقة الرسمية الأولى لمدرس/ أستاذ الفلسفة، وتترجم كذلك المنهاج التربوي والتعليمي لمادة الفلسفة، والمتضمن بطبيعة الحال للبرنامج العام بحسب المستويات الثلاثة بالتعليم الثانوي التأهيلي المغربي، سنجد أن النص الفلسفي لا يمثل غاية في ذاته، وإنما هو مجرد وسيلة أو أداة في بناء المفهوم/ الدرس الفلسفي.

خلافا لما كان عليه الحال في المنهاح الذي كان قبل هذا المعتمد حاليا: فلا المنهاج الذي كان ما بين 199َ1 و1996 ، ولا الذي كان ما بين 1996 إلى حدود 2007، كانت العملية التدريسية تركز بشكل كامل على النصوص الفلسفية التي تلتقي حول تيمة/ موضوعة خاصة وواحدة.

أما المنهاج الذي تم اعتماده منذ سنة 2007 إلى حدود الآن، فقد اعتبر النصوص الفلسفية مجرد وسيلة أو أداة، وليس غاية في ذاتها عند بناء المفهوم/ الدرس الفلسفي. معنى هذا الكلام هو أنه من حق أستاذ الفلسفة، حسب اجتهاده وحسب إبداعه الشخصي، أن يختار الدعامات البيداغوجية supports pédagogiques) ) التي يراها مناسبة وذات إجرائية سواء عند تخطيطه لسيناريو بيداغوجي( المستوى النظري) معين أو عند بنائه لمفهوم/ درسي فلسفي ما (المستوى التطبيقي)، بل أكثر من ذلك فمن الأهمية بمكان أن يتم اختيار كل الدعامات البيداغوجية، سواء كانت نصوصا فلسفية أو أسنادا أدبية كمقطع من عمل روائي أو مسرحي أو قصصي أو أبياتا شعرية أو كانت لوحة فنية تشكيلية أو وثيقة فيلمية سينمائية، شرط أن تكون هذه الدعامات البيداغوجية بكل أشكالها وأنواعها تثير إشكالية فلسفية ما أو تقدم تصورا فلسفيا معينا أو تنتقد تصورا فلسفيا ما. إنه من الواجب عليه (الأستاذ) أن ينوع من هذه الدعامات البيداغوجية، لكي لا يسقط في الرتابة والملل، ولكي يجعل من الدرس الفلسفي درسا مشوقا وجذابا وذا حافزية للمتعلمين على الانخراط والمشاركة في بنائه عبر طرح الأسئلة الفلسفية وعبر التحليل بالمناقشة والحوار والنقد والتركيب أفقيا وعموديا.

غير أن وقوع اختيار مدرس الفلسفة على النصوص الفلسفية كدعامات بيداغوجية بشكل أكبر مقارنة مع اعتماده على دعامات بيداغوجية أخرى غير النصوص الفلسفية راجع في تقديري الخاص إلى مجموعة من الاعتبارات النظرية والمنهجية:

  • أولا إن النصوص الفلسفية تساعد، لا الأستاذ ولا المتعلمين، على فهم فلسفة الفلاسفة، وتمكنهما من الاحتكاك المباشر بفلسفتهم، كما تمنح لهما إمكانية فهم واستيعاب لغتهم المفاهيمية ذات الطبيعة النظرية والمجردة، وتتيح هذه النصوص الفلسفية أيضا إمكانية فهم البنى الفكرية التي عبر عنها هؤلاء الفلاسفة من خلال تلك النصوص الفلسفية: فهذه الأخيرة وبواسطة اللغة المفاهيمية الخاصة التي كتبت بها يتم التعرف على كل فليلسوف على حدة، ويتم تمييزه عن باقي الفلاسفة. إن اللغة المفاهيمية في نصوص الفيلسوف ديكارت تختلف عن تلك التي كتب بها دافيد هيوم مثلا فلسفته، ونفس الشيء عن الفيلسوف نيتشه مقارنة بفلسفة هيغل كذلك، بل إن هذه الخاصية يمكن سحبها على جميع الفلاسفة طبعا.

  • نقطة ثانية ذات أهمية في هذا السياق، وهي تتمثل في مدى التماهي عند البعض في النظر إلى الكتاب المدرسي لمادة الفلسفة وكأـنه يمثل المنهاج الدراسي، في الوقت الذي يعتبرالكتاب المدرسي وثيقة تروية للمتعلم فقط ! فإذا نظرنا إلى هذه الوثيقة التربوية الأخيرة (الكتاب المدرسي) وجدنا القسط الأكبر الغالب فيه من حيث المضمون هو للنصوص الفلسفية، وإن كانت في بعض صفحات الكتاب المدرسي موثقة فيه بعض اللوحات الفنية مثلا. فالقلة القليلة من الأساتذة الذين يتناولونها بالتحليل والمناقشة ويأخذونها كدعامات بيداغوجية في بناء المفاهيم/ الدروس الفلسفية.

  • وتجدر الإشارة كذلك إلى سبب آخر يجعل من النصوص الفلسفية تؤخذ باهتمام أكبر مقارنة بالدعامات البيداغوجية الأخرى: يتمثل في كون أن أكبر عدد من الأساتذة ليسوا على اطلاع وغير متمكنين أو غير مستعدين على الانفتاح على مجالات أخرى للسمعي البصري من سينما وفنون بصرية وسمعية كاللوحة الفنية والمقطع الغنائي والموسيقي أو بالأحرى يغيب عند المدبر التربوي (الوزارة) التصور التربوي العام الذي يجعله يبرمج تكوينا مستمرا لفائدة الأساتذة في هذه المجالات المعرفية النظرية والمنهجية العملية التي بلا شك لها أهمية كبرى في التكوين المستمر الذي هو حق أساسي ومهم لكل موظف/ أستاذ.
    10 ) – ما هي المعايير التي ينبغي اعتمادها في اتختيار النصوص الفلسفية؟

ج‌- من الناحية الديداكتيكية الصرفة تخلق النصوص الفلسفية مجموعة من الصعوبات المنهجية، حيث يطرح في المستوى مجموعة من المشاكل ذات الطبيعة الابستمولوجية عند إنجاز النقل الديداكتيكي؛ أي عند الانتقال من النص الفلسفي الذي ينتمي إلى مثن ( Corpus) فلسفي ما إلى نص على شكل مقطع مجتزئ ليكون في سياق مفهوم/ درس فلسفي برمجته الوزارة للمتعلمين داخل مؤسسة تعليمية.

أريد القول إن عملية الانتقال من ما يسمى معرفة عالمة/ فلسفة الفلاسفة ( Savoir savant) إلى معرفة مدرسية/ فلسفة مدرسية ( Savoir enseigné) ليست بعملية سهلة؛ حيث لابد من مراعاة مجموعة من الشروط والظوابط النظرية والمنهجية، لعل أهمها يتمثل في :

  • مدى ترجمة وملاءمة هذه النصوص الفلسفية للمفهوم/ الدرس الفلسفي المقرر للمتعلمين في أحد المستويات الثلاثة بالتعليم الثانوي التأهيلي التي تدرس فيها مادة الفلسفة.

  • درجة السهولة والصعوبة الحاضرتين في النص الفلسفي، إنطلاقا من لغته المفاهيمية الخاصة، وانطلاقا من مدى إمكانية إثارته للإشكالية الفلسفية التي يطرحها المفهوم/ الدرس الفلسفي المبرمج للمتعلمين أو انطلاقا من تضمنه لتصور/ أطروحة فلسفية لفيلسوف معين، والتي هي بمثابة جواب عن الإشكالية الفلسفية المثارة حسب المجزوءة أو المفهوم بأبعاده المختلفة أو إنطلاقا من كونه نصا فلسفيا يستجيب لمجموعة من المعايير، والتي من أهمها أنه (النص الفلسفي) يمثل نصا حجاجيا بامتياز، تحضر فيه مجموعة من الآليات الحجاجية التي بواسطتها يتمكن الأستاذ بمعية تلامذته من تحليله التحليل الفلسفي البناء.

  • مدى توفر النصوص الفلسفية المكتوبة باللغة العربية بشكل واضح تسعف المدرس من بالانتقال من معيش المتعلمين إلى مستوى نظري ومجرد أو في مدى وجود نصوص فلسفية مترجمة إلى لغة الضاد من لغات أجنبية كالانجليزية والفرنسية ترجمة سليمة وجيدة. وهذه النقطة الأخيرة عادة ما تخلق بعض المشاكل لدى أساتذة الفلسفة؛ حيث يصعب أن تجد نصوصا فلسفية لفلاسفة اجانب كتبوا بالإنجليزية أو بالفرنسية مثلا، ويتم ترجمتها إلى العربية ت رجمة تراعي البعد النظري والفلسفي من جهة، وتراعي اللغة والثقافة العربية ومستوى المتعلمين من حيث كفاياتهم وأدائهم اللغوي من جهة ثانية.

  • بالإضافة إلى هذه الاعتبارات المذكورة أعلاه هناك اعتبار آخر. يتعلق الأمر بكون أن مادة الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي المغربي لا يتم دراسة وتدريس الفلسفة وحدها، وإنما يتم الانفتاح على مجال العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والأنطروبولوجيا وعلم النفس. وهنا يطرح المشكل بشكل مضاعف؛ وهو كيف يمكن البحث عن نصوص إما أنها أخذت من مثن في مجال الفلسفة أو من مثن من مجال العلوم الإنسانية باختلاف تخصصاتها وتكون ( النصوص) لفي نفس الوقت تستجيب للتصورات والأطروحات الفلسفية التي تتناولها تلك المفاهيم/ الدروس الفلسفية.

مختصر القول كإجابة عن سؤال المعايير المعتمدة في اختيار النصوص الفلسفية في بناء المفاهيم/ الدروس لفلسفية يمكن تلخيصها في:

  • أن يكون هذا النص الفلسفي لفيلسوف معين أو لباحث في مجال الفلسفة أو العلوم الإنسانية أو لمؤرخ الفلسفة؛

  • أن تكون فيه أحد العناصر الثلاثة الآتية أو كلها:

أن يثير إشكالية نظرية وفلسفية؛

أن ينفتح أو يقدم تصورا فلسفيا معينا؛

أن ينتقد تصورا فلسفيا لفيلسوف آخر؛

وأن يكون من حيث الحجم ما بين 10 إلى 15 سطرا.

11) – كيف يمكن تجاوز القراءة المدرسية التقليدية للنص إلى قراءة حوارية وتأويلية؟

ج- أولا شكرا على طرح مثل هذا السؤال الذي يبين أن صاحبته ذة. أمينة بنونة على الاطلاع بما يعيشه الدرس الفلسفي من بعض العوائق النظرية والمنهجية. فعلا على مستوى الفصول الدراسية، ونظرا لإكراهات كثيرة فيها ما هو ذاتي تتعلق بطبيعة الأستاذ لمادة الفلسفة راهنا ( مدى حضور مجموعة من الكفايات المهنية والمهارات الديداكتيكية المرتبطة بتدريس الفلسفة من عدمها: المشروع الشخصي للمدرس)، وفيها ما هو موضوعي والتي تتعلق بعدد المتعلمين في الفصل الدراسي(الاكتظاظ)، والحيز الزمني الممنوح لمادة الفلسفة وبمستوى التأطير التربوي الذي هو على عاتق المؤطر التربوي/ المفتش التربوي، كل هذه الأسباب وغيرها كثير تجعل من الممارسة الفصلية،وخاصة عند دراسة النصوص الفلسفية تتم بطريقة تقليدية، الشيء الذي يجعل فاعليتها محدودة. وللتوضيح أكثر هذه النقطة يمكن القول إنه للأسف الشديد عند المعاينة والمواكبة للأداء التربوي والتعليمي لبعض الأساتذة، وخصوصا باالنسبة لطريق تعاملهم مع النصوص الفلسفية، تجدهم يتبعون ما يمكن تسميته بالتحليل الخطي L’Analyse lignaire))؛ حيث تجد الأستاذ يتتبع النصوص من خلال السطور والفقرات المكونة له، علما أن هذه الطريقة لا تؤدي إلى بيان التصور الفلسفي الذي يحضر فيها، بل يخلق نوعا من التشتت على مستوى الفكر والتفكير، الفلسفة والتفلسف؛ خاصة إذا كان النص الفلسفي مترجما إل العربية.كما أن هذه الطريقة تعطي الانطباع وكأننا أمام مادة دراسية أخرى تفتقد لروح الفلسفة التي هي فكر حي يتميز بالدينامية والانسجام من حيث ترابط الأفكار وارتباطها بلغة مفاهيمية يطغى عليها الطابع الحجاجي والتوليدي.

غير أنه في واقع الأمر بالرجوع إلى المقاربة الفلسفية (المفهمة والأشكلة والمحاججة) المعتمدة في تدريس الفلسفة وبالرجوع إلى ما تنص عليه وثيقة “التوجيهات التربوية ….” فإنه يتعين على مدرس الفلسفة عند توظيفه وتحليله للنص الفلسفي لحظة بنائه للمفهوم/ الدرس الفلسفي أن يقوم بالتحليل التركيبي(L’Analyse de synthèse) وليس التحليل الخطي. لماذا؟ لأنه بكل بساطة يعتبر الدرس الفلسفي درسا يزاوج بين الفكر والتفكير، بين فلسفة الفيلسوف وبين تفلسف المتفلسف/المتعلم. من هنا فالأهمية الكبيرة– عند تحليل النصوص الفلسفية- لا تتمثل فقط في ما يقدمه الفيلسوف من تصور فلسفي تجاه إشكالية نظرية وفلسفية ما، وإنما جوهر العملية يكمن في التفاعل على مستوى التفكير عند المتعلم في تحليله لهذا النص الفلسفي باعتباره نصا مولدا للأفكار عبر مجموعة من الآليات الخاصة كالسؤال والحوار والمناقشة انطلاقا من عمليات التحليل والنقد والتركيب، وكذلك الأهمية الكبرى عند تحليل النص الفلسفي تتمثل في البحث عن راهنية هذا النص الفلسفي؛ بمعنى إن الذي يهم المتعلم ليس في ما قاله سقراط أو أرسطو في العصر اليوناني أو في ما قاله ديكارت أو الفيلسوف كانط في العصر الأوربي الحديث ( فترة الأنوار)، وإنما الذي يهمه هو البحث عن راهنية النص الفلسفي لهذا الفيلسوف أو ذاك، لكي يفهم هذا المتعلم عصره هو، وما يطرحه عصره هذا من إشكايات فلسفية تهمه كفرد/ مواطن وكمجتمع، وما تواجهه من تحديات كبرى، والعمل على عقد نوع من المقارنة الجدلية بين عصر الفيلسوف وعصر متعلم الفلسفة. وهذا البعد هو الذي يمثل روح الفلسفة، ويجعل الدرس حيا عبر اعتماد طرائق جديدة تتأسس على الحوار والمناقشة والتفاعل وعلى نسبية الفكر، وليس على اليقينيات المطلقة، وتدعوه إلى الانفتاح على آفاق جديدة ورحبة.
( يتبع )

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading