
الروائي: محمد الجباري
الانتخابات قريبة جدًا في المغرب…
وفي مثل هذه الأيام، من السذاجة أن يكتب المرء قصة، أو فصلًا من رواية، أو حتى خاطرة عابرة، ثم ينتظر أن يقرأه أحد.
من سيقرأ أصلًا؟
يا لتعاسة كاتب بلا قرّاء!
حتى زوجتي، التي يفترض أنها أقرب الناس إليّ، لم تنجُ من عدوى الانتخابات. كنت بالأمس أقرأ لها بداية رواية أراها مشوّقة، وحين بلغت موضعًا كنت أظنه سيشدّ انتباهها، قاطعتني، من دون أن تشعر أنها ارتكبت جريمة أدبية، وقالت بكل بساطة:
«أتدري؟ لقد بدأت الحملة الانتخابية في القصر الكبير.»
تبا! أنا أحدثك عن الأدب، وأنتِ تحدثينني عن الانتخابات؟
أغلقت الكتاب. انتهى الأمر. لن يقرأ لي أحد.
فالسياسة، كما قال لي ذات مساء رجل مخمور التقيته صدفة في حانة على الطريق، ساحة للشياطين، أما الأدب فهو فضاء للملائكة. لذلك قررت أن أدع الملائكة تستريح قليلًا في عليائها، وأن أنتظر حتى يرحل الشياطين، ثم أعود إلى الكتابة.
لكن المشكلة أن الملائكة ليست دائمًا بريئة كما نظن.
حتى هي تعرف فن الإغراء.
فكلما قلت لنفسي: كفى كتابة… اترك القلم، دع الناس وشأنهم، اترك الانتخابات تمرّ، ثم اكتبْ بعد ذلك…
أجد يدي تبحث عن القلم.
ما أشقاكِ أيتها الملائكة!
ولكن… عمّا سأكتب؟
فجأة، همس أحدهم في أذني. لا أدري هل كان من الملائكة أم من الشياطين:
«لماذا لا تكتب عن الانتخابات؟»
ضحكت مستهزئًا… بل قهقهت بصوت مرتفع، قبل أن أعتدل في جلستي وأقول مخاطبًا نفسي:
«أكتب بخلفيتي القصصية والروائية إذن… علاشْ لا!»
قد يبدو المشهد مسليًا حقًا…
روائي صار يكتب عن الانتخابات.
حاولت، على غير عادتي، أن أجد لقصتي عنوانًا يليق بالمناسبة…
اعتدت فيما مضى أن أكتب القصة أولاً، وأترك العنوان حتى أنتهي تماما من تفاصيل الحكاية.
فشلتُ!
يا للفضيحة! روائي يعجز عن تخيل عنوان «الرواية»!
لا يهم… بعض تقاليد الكتابة لا تغادرنا، وتصرّ أن ترافقنا طول العمر.
لنترك العنوان إذن إلى النهاية…
كتبت.
بعدما أمسكت جيدا بالقلم، ضغطت بأصابعي الثلاثة عليه، وبالغت في الضغط، وكأني طبيب نساء قليل الحيلة أمام مخاضٍ ـ قلم ـ صعب، وولادة مؤلمة حدّ العجز…
تفطنت أخيرا إلى سوء تصرفي وقلة حيلتي، فأمسكت بقلمي كما كنت أمسك به طوال سنوات… فكتبت:
«ابتدأت الحملة الانتخابية ليلة اليوم في القصر الكبير، وكان القمر الأحمر من فوق شاهدا على البداية…»
لحّن عبد السلام عامر أجمل وأرق ما كتب عبد الرفيع الجواهري: «القمر الأحمر»:
«خجولًا أطل وراء الجبال
وجفن الدجى حوله يسهر
خشوعًا أطل كطيف نبي
وفي السفح أغنية تزهر»
من يخبر عبد السلام أن القمر في القصر الكبير صار تعبانًا؟
أنهكه الغبار والدخان القادم من الأسفل. في الليل تختنق المدينة، وتتحول إلى سوق لشواء كل أنواع اللحم، ويغيب عبق الياسمين واللَّرَنْج والنعناع.
يا للوقاحة! كيف أنسى أني بصدد الكتابة عن الانتخابات، وليس عن الشعر واللحن وعبق الياسمين والرمان؟
لنعد إذن إلى الانتخابات.
أعتقد جازمًا أن الأحزاب لن يكون بمقدورها أن تنظم مهرجاناتها الانتخابية في فضاء دار الثقافة، فالقاعة الثقافية مغلقة منذ سنين، وآيلة للسقوط…
يا للفضيحة! مدينة تكتظ بالمقاهي وتُغلق فيها دار الثقافة!
تبا! من حشر الثقافة في مقال عن السياسة؟
دعونا نعود من جديد إلى البداية.
سوف تنظم الأحزاب تجمعًا لمناصريها في مسرح أسطوريا، أو ربما في سينما بريس كالدوس…
سوف أحرص أشد الحرص على أن أكون هناك، في وسط قاعة بريس كالدوس، في ذلك الجزء الذي كنا نسميه «بوداكا». سوف أجلس في الصف الأول، أقصى اليمين، حيث جلستُ ذات مساء غابر أنا وصديقي إسماعيل لنشاهد فيلم «أبي فوق الشجرة».
مجرد الذكرى تجعل القلب ينبض بسرعة.
يا إلهي! كيف تمر المشاهد تباعًا أمام عيني، وكأن الماضي صار بدوره مشاهد سينمائية أعيشها اللحظة.
ولجنا القاعة قبل نصف ساعة من العرض، بعدما اشترينا ما يكفينا من «الزريعة». اتفقنا ألا نتذوق أية حبة منها قبل أن تنطفئ أضواء القاعة…
إسماعيل، الذي كان ثرثارًا جدًا ولا يتوقف عن الكلام، صمت فجأة، وكأنه صار غير معني بعبد الحليم ولا بالفيلم. رأيته يشير إليّ لكي أنظر إلى الصف المقابل، حيث كانت فتاة أنيقة جدًا تجلس صحبة عائلتها.
وشوش لي:
«إنها سعاد… حاولت أكثر من مرة أن أبعث لها رسالة، لكنني لم أكن أعرف كيف ومتى… وربما هذه هي الفرصة المواتية الآن.»
لم يكن قد تبقى على بداية العرض سوى أقل من عشر دقائق.
بسرعة، أخذ إسماعيل قلمًا وورقة بيضاء، وصار يكتب…
وفي الأخير، لفّ «الزريعة» داخل الورقة، أو بالأحرى لفّ الرسالة حول الزريعة، وفي اللحظة التي انطفأت فيها أنوار القاعة، رمى إسماعيل الورق الملفوف نحو سعاد.
صرنا نتابع فيلمين: الأول على الشاشة الكبرى، وبطله عبد الحليم، والثاني بطلته سعاد، تدور أحداثه في الجهة المقابلة.
ومع كل حبة زريعة كانت تنقص من الورق الملفوف، كنا ننتظر أن تصل سعاد إلى تفاصيل الرسالة…
وكلما مرّ الوقت، صرنا نتابع الفيلم الثاني أكثر، بعدما اقتربت ساعة الحسم.
معذرة من جديد… لا أدري كيف نسيت نفسي وصرت أحكي عن سعاد بدل الانتخابات!
كدت أصاب بالإحباط عندما علمت أن الأحزاب صارت تنظم مهرجاناتها الانتخابية في قاعات الأعراس، بعدما تحولت بريس كالدوس، تلك القاعة الإسبانية الأنيقة، إلى مقهى، وتحول مسرح أسطوريا إلى كراج للسيارات.
أما إسماعيل، فلم يعد يكتب الرسائل.
صار يشتغل مقابل مبلغ زهيد مع الأحزاب، يوزع مناشير الانتخابات.
يا لصديقي إسماعيل!
ذات مساء، كان يحمل قلمًا وورقة ليكتب رسالة حب، واليوم يحمل الأوراق نفسها… لكن ليعطي الناس أسبابًا أخرى كي يصوتوا.
لا أدري أين ذهبت سعاد، ولا أين ذهبت الرسالة.
ربما ضاعت الرسالة، وربما ضاعت سعاد معها، وربما الذي ضاع في الحقيقة كان شيئًا أكبر منهما بكثير…
ذلك الزمن الذي كنا ننتظر فيه انطفاء أضواء السينما لنرسل رسالة حب في الظلام.
توقفت فجأة عن الكتابة، وصرت أهمس بلحن أغنية، لا أدري من أين أتتني فجأة:
«رميت نفسك في حضن… وسقاك الحضن حزن…»
قبل أن أتذكر أنها من فيلم «أبي فوق الشجرة»، غناها عبد الحليم يومًا ما في سينما بريس كالدوس.
آه يا صديقي إسماعيل… كم آلمني أنك لم تعد تكتب الرسائل.
لا يضيرك يا صديقي أن تكون الرسالة، في الأخير، قد وجدت نفسها وسط الأزبال، تقذف بها مكنسة خارج أسوار بريس كالدوس…
ربما لم تصل إلى سعاد، وربما وصلت، وربما احتفظت بها طويلًا ثم خبأتها في مكان لا يعرفه أحد.
ليس عيبًا أن أعجز عن الكتابة في السياسة، لكن المصيبة أن نعجز عن كتابة رسائل الحب.
ترى، هل يستوعب السياسيون ذلك؟
ماذا لو حلّ الكره محل الحب؟
ماذا لو صار الخصام هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الناس؟
ماذا لو ارتفعت الأصوات، وتشاجرت الأيدي، وسقط أحدهم أرضًا، ثم تبعه آخر؟
ماذا لو حصل ضرب وجرح؟
وماذا لو، في تلك اللحظة، بحثوا لجرحاهم عن مستشفى؟
عندها فقط، ربما سيتذكرون أن مدينة بطول القصر الكبير وعرضها لا تملك مستشفى كما ينبغي لمدينة أن تملك.
يا للسخرية!
توقفت قليلًا عن الكتابة.
وضعت القلم فوق الورقة، ونظرت إلى السطر الأخير.
لم أعرف هل كنت أكتب عن الانتخابات، أم عن بريس كالدوس، أم عن إسماعيل وسعاد، أم عن مدينة تتسلل منها أشياء كثيرة دون أن نشعر.
قلت لنفسي:
ربما لم يكن إسماعيل غبيًا حين كتب تلك الرسالة.
ربما كان أكثرنا وعيًا.
كان يعرف، منذ ذلك الزمن، أن مدينة بلا رسائل حب… قد تنتهي ذات يوم إلى مدينة لا يعرف أهلها كيف يتحدثون إلا بالصراخ.
من يعيد لنا دار الثقافة، والمسرح، والسينما، وعبق الياسمين والنعناع؟
من يبني المستشفى؟
من يعيد لصومعة سيدي عقوب نخيلها، وللقمر الأحمر خجله؟
من يعيد لنا الأمل في أن تقرأ سعاد رسالة إسماعيل؟
من يعيد لنا كل هذا؟
سنصوّت عليه!