
بقلم : نبيل اليعكوبي
ثم نظرت إليّ بغضب شديد وقالت:
«عقل مغربي ذكوري قذر!»
نعم، هذا ما قالته لي أستاذة اللغة العربية عندما كنت في الصف السادس الابتدائي.
كان ذلك في زمن كان فيه الضرب جزءًا من التربية المدرسية؛ خرطوم مياه، أو قطعة خشب، أو سلك كهربائي، وكلها أدوات مألوفة لعقاب التلاميذ.
في ذلك اليوم لم أكتب الواجب لأنني كنت متعبًا. وعندما وصلت الأستاذة إلى دفتري، أخبرتها بالسبب.
ما إن سمعت جوابي حتى اتجهت مسرعة إلى طاولتها بجانب السبورة، وخطفت خرطوم المياه وعادت به نحوي، وكأنها كانت تنتظر فقط مبررًا لممارسة سلطتها.
قالت:
«قف، وارفع يدك وافتحها… سأعلمك كيف تكون متعبًا.»
لكنني رفضت.
قلت لها:
«إذا كنت تريدين معاقبتي، فأحضري مدير المدرسة أو أحد المدرسين.»
نظرت إليّ بدهشة:
«ولماذا لا أعاقبك أنا؟»
قلت:
«لأنك امرأة وأنا رجل. لن أسمح لامرأة بأن تعاقبني.»
قالت:
«لكنني معلمتك وأنت تلميذ عندي.»
فأجبتها:
«الرجل رجل والمرأة امرأة، مهما اختلفت المناصب.»
رفعت يدها محاولة صفعي على الوجه ، لكنني أمسكت يدها وأبعدتها عني، وكررت عليها أن تحضر أحد المدرسين.
وبالفعل، أحضرت مدير المدرسة، الذي تولى عقابي بنفسه.
لم أبالِ كثيرًا بالضرب؛ فقد كنا قد اعتدنا عليه منذ طفولتنا. لكنني يومها شعرت بشيء يشبه الانتصار. كنت طفلًا لا يعرف شيئًا عن مفاهيم الذكورية أو السلطة، وكل ما كنت أعرفه أنني رفضت شيئًا اعتبرته مساسًا بمبدأ أؤمن به.
انتشر الخبر في المدرسة، فأثنى بعض المدرسين عليّ قائلين:
«ابقَ على مبادئك هكذا.»
أما بعض المدرسات، فظللت أرى منهن نظرات غضب وكراهية طوال سنوات الدراسة.
لكن ما بقي في ذاكرتي، بعد كل تلك السنوات، ليس الخرطوم ولا الضرب، بل جملة واحدة:
«عقل مغربي ذكوري قذر.»
وما زلت إلى اليوم أتساءل:
ماذا كانت تقصد تحديدًا؟
هل كانت ترى في كلامي مجرد عقلية ذكورية تربيت عليها دون أن أشعر؟ أم أنها كانت ترى في رفضي لها انتقاصًا من مكانتها كمعلمة؟
أم أن الأمر كان شخصيًا أكثر مما أظن؟
هل كانت تحمل يومها غضبًا جاء من خارج الفصل؛ خصامًا مع زوج، أو خلافًا مع أخ، أو جرحًا شخصيًا لم يكن لي ذنب فيه، ثم وجدت في ذلك الطفل المتمرد فرصة لتفرغ شيئًا من غضبها تحت غطاء السلطة المهنية؟
لا أدري، وربما يكون من الظلم أن أفترض ذلك بعد كل هذه السنوات. فأنا لا أعرف ما الذي كان يجري في حياتها آنذاك.
لكنني كنت طفلًا، ولم أكن زوجها، ولا أخاها، ولا الرجل الذي أغضبها خارج المدرسة.
كنت مجرد تلميذ لم يكتب واجبه لأنه كان متعبًا.
ولهذا ظل السؤال عالقًا في ذهني:
هل كانت تعاقبني يومها على واجب لم أكتبه، أم على رجل آخر لم أكن أعرف حتى بوجوده؟
لا أعرف.
لكنني أعرف أن جملتها بقيت أطول عمرًا من الخرطوم الذي حملته في يدها يومها.