كحين يصمت المثقف…

10 سبتمبر 2026


الزهرة الحميمدي

عندما تقترب الانتخابات، ترتفع أصوات كثيرة…
أصوات المرشحين، والأحزاب، والمحللين، والفاعلين في المشهد السياسي .لكن وسط كل هذه الأصوات، يظل سؤال واحد يثير القلق:
أين صوت المثقف؟
هل اختار الصمت حفاظًا على استقلاليته؟ أم ابتعد عن الشأن العام حتى لم يعد يعنيه ما يجري حوله؟ وهل يمكن للمثقف أن يتحدث طويلًا عن الحرية والكرامة والديمقراطية، ثم يصمت عندما يصبح المجتمع في أمسّ الحاجة إلى الوعي والتوجيه ؟
بحلول شهر شتنبر، يكون العدّ التنازلي قد بدأ، وتكون البلاد قد دخلت، في زمن تتقدم فيه الأسئلة الكبرى إلى الواجهة.في مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن نراقب المشهد من بعيد، ولا أن نكتفي بتبادل الأمنيات حول مغرب أفضل. فثمة استحقاقات لاتختبرفقط قدرة السياسي على الإقناع، وإنما تختبر أيضًا قدرة المجتمع على الوعي والاختيار…
إلا أنه وللأسف هناك انسحاب صامت من طرف المثقف ، وكأن السياسة شأن يخص السياسيين وحدهم، وكأن الثقافة تستطيع أن تعيش في برج معزول عن أسئلة الوطن وتحولاته.والحقيقة أن السياسة، بمعناهاالأوسع، جزء من حياة الناس، من حقوقهم، ومن مستقبل أبنائهم، ومن شكل المجتمع الذي يريدون أن يعيشوا فيه.
ليس مطلوبًا من المثقف أن يتحول إلى حزبي، ولا أن يضع قلمه في خدمة هذا اللون أو ذاك. وليس مطلوبًا منه أن يوزع صكوك الولاء أو يمارس الدعاية…
المطلوب ببساطة أن يكون حاضرًا حين يحتاج المجتمع إلى الوعي؛ أن يسأل حين يسكت الآخرون، وأن ينبه حين تختلط البوصلة، وأن يدافع عن العقل حين تتقدم الخرافة، وعن الحقيقة حين تزاحمها الشعارات.
لطالما ارتبط المثقف في الذاكرة الإنسانية بالأسئلة الكبرى، وبالقدرة على رؤية ما قد لا يراه الآخرون. كان صوته، في لحظات التحول، جزءًا من مقاومة الركود، ومن الدفاع عن الإنسان وحقه في المعرفة والكرامة والحرية.
فكيف أصبحنا نراه، في كثير من الأحيان، يبتعد عن الشأن العام، مكتفيًا بفضائه الثقافي الضيق؟
إن انسحاب المثقف من المجال العام لا يعني بالضرورة أنه فقد اهتمامه بوطنه، لكنه قد يعني أنه تردد في ممارسة دوره، أو اعتقد أن السياسة شأن لا يعنيه. غير أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: هل يستطيع المثقف أن يكتب عن الحرية والعدالة والكرامة، ثم يصمت عندما تصبح هذه القيم أسئلة حقيقية في المجتمع؟
ألا تصبح الثقافة، حين تنفصل تمامًا عن الواقع، مجرد ترف جميل؟
المثقف ليس شاهدًا عابرًا على زمنه، بل عين يقظة ترصد تحولات المجتمع، وأذن تلتقط أنين المهمشين، وضمير لا يسمح للأسئلة الكبرى أن تموت في زحام التفاصيل.
* حين يتراجع التأطير من يملأ الفراغ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحتاج الديمقراطية إلى مواطن يعرف حقوقه وواجباته، ويفهم معنى صوته، ويستطيع أن يميز بين البرنامج والشعار، وبين الكفاءة والوعد، وبين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية.
فحين يتراجع دور الأحزاب في التواصل والتأطير والتثقيف السياسي، تظهر الحاجة إلى أدوار أخرى مساندة في المجتمع. ولا يمكن أن تكون الثقافة خارج هذه المعادلة.
إن المواطن الذي يدخل إلى محطة التصويت دون معرفة كافية بما يترتب عن اختياره، أو دون قدرة على قراءة البرامج ومساءلة المرشحين، يكون أكثر عرضة لأن يتحول التصويت لديه إلى تبعية، أو بحث عن منفعة آنية.وهنا لا ينبغي أن نلوم المواطن وحده.
فبناء المواطن الواعي مسؤولية جماعية، تشترك فيها المدرسة والأسرة والإعلام والأحزاب والمجتمع المدني، وفي قلبها الثقافة بمختلف تعبيراتها.

*المثقف ليس حزبًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد يقول قائل: أليس من الأفضل للمثقف أن يبتعد عن السياسة حتى يحافظ على استقلاله؟
نعم، للمثقف أن يكون مستقلًا، بل إن استقلاله الفكري من أهم شروط حضوره الحقيقي.
لكن الاستقلال شيء، والانسحاب شيء آخر.
أن يكون المثقف مستقلًا عن الأحزاب لا يعني أن يكون محايدًا أمام قضايا المجتمع. يمكنه أن ينتقد هذا الحزب وذاك، وأن يرفض هذا الخطاب وذاك، وأن يضع الجميع تحت مجهر العقل والمعرفة والمصلحة العامة.
فالمثقف لا ينافس السياسي في ملعبه، ولا ينبغي أن يتحول إلى تابع له. دوره مختلف: أن يسائل، وأن يراقب، وأن يحلل، وأن ينبه، وأن يحمي المجال العام من الاستسلام للشعارات السهلة.
ليس مطلوبًا من المثقف أن يكون سياسيًا، ولكن من الصعب أن يكون مثقفًا حقيقيًا ويظل غائبًا عن الشأن العام.

*من التصويت إلى الاختيار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ربما آن الأوان أن نعيد النظر في معنى التصويت نفسه.
فالتصويت ليس مجرد وضع ورقة في صندوق، وليس طقسًا انتخابيًا ينتهي بانتهاء يوم الاقتراع. إنه قرار ومسؤولية واختيار له أثر في حياة الناس وفي المؤسسات وفي السياسات العمومية.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط أن نقول للمواطن: اذهب وصوّت، بل أن نساعده على أن يسأل:
من أختار؟ ولماذا؟
ما الذي يقدمه هذا المرشح؟ وما مدى كفاءته ونزاهته وقدرته على تحمل المسؤولية؟
هل اختار بناءً على البرنامج أم على الانتماء؟ على الكفاءة أم على القرابة؟ على المصلحة العامة أم على المنفعة الشخصية؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُترك للحظة الأخيرة.
فالتغيير والإصلاح لا يصنعهما صندوق الاقتراع وحده، بل يصنعهما وعي يسبق الصندوق، وثقافة تحرس الديمقراطية بعده.

*الثقافة والفن والإعلام شركاء في بناء الوعي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس المثقف وحده المعني بهذا الدور.
الشاعر يستطيع أن يوقظ سؤالًا في وجدان الناس، والروائي يستطيع أن يكشف طبقات خفية من المجتمع، والفنان يستطيع أن يجعل الفكرة صورة تصل إلى من لا تصل إليه المقالة، والصحافي يستطيع أن يضع الخطاب أمام المساءلة، والأستاذ يستطيع أن يربي جيلًا يعرف معنى المواطنة.
وكل صاحب قلم أو موقف يستطيع أن يساهم، بطريقته، في إنضاج الوعي.
إن الثقافة لا تغيّر المجتمع بقرار إداري، لكنها تغيّره ببطء، من الداخل، حين تجعل الإنسان أكثر قدرة على السؤال والتمييز والاختيار.
ولهذا فإن حضور الثقافة في اللحظة الانتخابية لا ينبغي أن يكون دعاية لهذا أو ذاك، وإنما دفاعًا عن حق المواطن في الوعي.

*المثقف أمام امتحان
اللحظة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ربما تكون هذه المرحلة واحدة من تلك اللحظات التي ينبغي فيها للمثقف أن يسأل نفسه بصدق:
هل أكتفي بالكتابة عن الوطن، أم أشارك في صناعة وعيه؟
هل أندد بالجهل، ثم أترك الناس وحدهم أمام خطاباته؟
هل أتحدث عن الديمقراطية في الكتب والندوات، ثم أصمت عندما تحتاج هذه الديمقراطية إلى ثقافة تحميها؟
إن المثقف لا يستطيع أن يغيّر كل شيء، وليس مطلوبًا منه ذلك. لكنه يستطيع أن يقول كلمة في الوقت المناسب.
وكلمة واحدة صادقة قد تفتح نافذة في جدار طويل من الصمت.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن يختلف أفراده حول اختياراتهم، وإنما أن يتخلوا عن حقهم في التفكير والاختيار، وأن يصبح المجال العام مفتوحًا لمن يملك القدرة على التأثير، لا لمن يملك القدرة على الإقناع بالحجة والمعرفة.
وعندما ينسحب المثقف من هذا المجال، فإنه يترك فراغًا.
والفراغ، كما نعرف، لا يبقى فارغًا طويلًا…

*لا نريد مثقفًا حزبيًا، بل نريد مثقفًا حاضرًا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن دعوتنا إلى حضور المثقف ليست دعوة إلى تحويل الشعراء والكتاب والفنانين إلى أبواق انتخابية، بل نريد المثقف الذي يحتفظ بمسافته النقدية، لكنه لا يحتفظ بمسافة الصمت.
نريد المثقف الذي يستطيع أن يقول «لا» حين يرى الخطأ، وأن يقول «نعم» حين يرى ما يستحق الدعم، وأن يضع الإنسان والوطن فوق كل اصطفاف ضيق.
نريد مثقفًا لا يخاف من السؤال، ولا يخشى الاختلاف، ولا يتنازل عن عقله في زمن تحتاج فيه المجتمعات إلى عقول يقظة أكثر من حاجتها إلى الأصوات المرتفعة.
وأخيرًا…
ها هو شهر شتنبر يطل، والعدّ التنازلي يمضي.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله في هذه المرحلة أن لا نترك المواطن وحيدًا أمام صناديق الاقتراع، وأن لا نترك المجال العام نهبًا للشعارات، وأن لا نترك الوعي رهينة للصدفة.
آن للمثقف أن يغادر مقعد المتفرج.
آن له أن يستعيد صوته، لا ليختار بدل المواطن، وإنما ليمنحه أدوات الاختيار.
آن له أن يعود إلى قلب المجتمع، لا وصيًا عليه، بل شريكًا في بناء وعيه.
فالوطن ال يحتاج من كل واحد منا أن يؤدي دوره
وإذا كان السياسي مسؤولًا عن تدبير الشأن العام، فإن المثقف مسؤول، في جانب من جوانب رسالته، عن حراسة الوعي العام.
لذلك، فإن السؤال اليوم ليس فقط:
من سننتخب؟
بل سؤال أعمق:
أي وعي نريد أن يحمل أصواتنا إلى المستقبل؟
فحين يصبح العقل بوصلتنا، والمعرفة حصننا، والثقافة جسرنا، لن يكون التصويت مجرد ممارسة انتخابية، بل خطوة في طريق بناء مجتمع يعرف ماذا يريد، ولماذا يختار، وإلى أين يمضي….

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading