حوار مع الباحث العافية العروسي .

19 يوليو 2026
Oplus_131072

أجرت الحوار : أمينة بنونة :

الترجمة ليست مجرد نقل الكلمات. وإنما هي فعل معرفي وحواري وحضاري

سلسلة حوارات مع وجوه ثقافية
تقديم:
محمد العافية العروسي استاذ تعليم ثانوي تأهيلي تخصص فرنسية
حاصل على الدكتوراة من جامعة عبد المالك السعدي في الادب المقارن والترجمة –
في موضوع : رحلة محمد ابن عثمان المكناسي على عهد السلطان سيدي محمد ابن عبد الله : البدر السافر لهداية المسافر الى افتكاك الأسارى من يد العدو الكافر.
ترجمة الى الفرنسية لمتن الرحلة ودراسة مقارنة للخطاب والاسلوب والسياق التاريخي
أجرت الحوار: أمينة بنونة

✓ بداية كيف تشكلت علاقتكم بالترجمة؟
_ أستطيع القول إن علاقتي بالترجمة قد تشكلت منذ الصغر. بما أنني رأيت النور في منطقة الريف وبالتحديد في قبيلة بني ورياغل حيث تنحدر أمي أطال الله في عمرها، فأنا أعتبر أن اللهجة الريفية هي لغتي الأم لكن بحكم أن والدي رحمة الله عليه ينحدر من منطقة اجبالة فقد وجدت نفسي أسرح بين لهجتين. ومن هذا المعطى الذاتي أريد القول إن اللغة وتعدد اللغات هو السبيل لتطوير الذكاء الإنساني وبناء العقل والمنطق.
ومن هنا يمكن اعتبار اتصال اللغات واللهجات وتعدد الألسن هي بداية فعلية للترجمة. فعملية الترجمة، لكونها ضرورة ملحة، ليست فقط تبديل كلمات من لغة إلى أخرى بل هي أيضا ترجمة للأفكار والمشاعر والمعلومات من سياق ثقافي إلى آخر.
وبكل تأكيد فإن الترجمة مشروع ثقافي متكامل لابد أن تتبناه كل أمة تسعى إلى الرقي والازدهار. بالإضافة إلى بناء الجسور فهي تسهل التواصل الحضاري والإثراء اللغوي مثل تشكيل مفاهيم علمية جديدة.
✓ تنوعت ترجماتكم بين الفكر والتاريخ والرواية، من سفارة لويس الرابع عشر إلى إمبراطورية الخطأ وسادة الجنس البشري وذات يوم ليلا. ما الذي يجمع بين هذه الإختيارات؟
– إن تنوع الأعمال هي إشارة إلى ضرورة الإنفتاح على كل المجالات: الأدب والتاريخ والفلسفة والعلوم وعلم اللآهوت إلخ ثم لأن الجامعة المغربية في حاجة ماسة إلى هذه الترجمات. عند صدور الترجمة العربية لكتاب هنري دو كاستر Agents et voyageurs français au Maroc، تلقيت الكثير من الاستحسان لكون تراجم الرحالة الفرنسيون إلى المغرب باللغة العربية تفيد الأساتذة الباحثين والطلبة في مشاريعهم البحثية.
✓ كيف تختارون الكتب التي تستحق أن تنقل إلى العربية؟ وهل يخضع الاختيار لذائقتكم الشخصية أم لحاجة القارئ العربي؟
_اختياري للمواضيع التي تستحق أن تنقل إلى العربية على وجه الخصوص نابع من اطلاعي كباحث على ما ينفع الناس: فمثلا تثير ترجمة كتاب Dialogue aux Enfers لموريس جولي تساؤلات عديدة حول مفاهيم الديموقراطية والحرية من جهة وعنف الدولة الذي يهدف إلى تحقيق الاستمرارية من جهة أخرى. أما كتاب L’Empire de l’erreur لكاتبه جيرالد برونير فيتناول ظاهرة اجتماعية تندرج فيما يسمى بعلم الاجتماع الإدراكي، فهو يدرس كيف ولماذا تنشأ لدى الإنسان تحيزات معرفية وقبوله أفكارا خاطئة وغير علمية. ومن هنا أعتبر أن مسألة البحث عن الحقيقة في عالم يسوده فكر زائف أمر ضروري بالنسبة للقارئ العربي. وفي كتاب سادة الجنس البشري لتشومسكي فإن هذا الأخير باعتباره عالما ومناهضا للإمبريالية، يوضح للقارئ الكوني أن الدول لا تتحكم في مصير شعوبها بل الشركات الكبرى العابرة للقارات على سبيل المثال لا الحصر.
✓ في رأيكم هل المترجم ناقل للنص أم شريك في إعادة إنتاجه داخل ثقافة جديدة؟
_في نظري المترجم يلغي اللغة المصدر ويعيد كتابة المعنى باللغة الهدف. وأحيل هنا على نظرية المعنى (أو النظرية التأويلية) التي بلورت مبادئها كل من سيليسكوفيتش Seleskpvitch وليديرير Lederer (مدرسة باريس)، وهي تعتمد بالأساس على ثلاث مراحل: فهم المعنى المراد من النص، محو بنية اللغة الأصل ثم إعادة كتابة المضمون في اللغة الهدف أي إنتاج نص لا يأخذ طابع نص مترجم.
✓ ما أبرز التحديات التي واجهتكم في ترجمة النصوص الفكرية مقارنة بالرواية؟
_ قد يواجه المترجم صعوبات جمة في عملية نقل النص إلى لغة أخرى. لذا يعمد إلى توظيف كل المصادر المتاحة والأساليب التعبيرية لإيصال المعنى إلى المتلقي. وتختلف الصعوبة حسب نوع النص المراد ترجمته: فالفلسفة على سبيل المثال تطرح إشكالات مفاهيمية معقدةـ تماما مثل النصوص العلمية. أما فيما يتعلق بترجمة نص تاريخي فالأجدر وضعه في سياقه التاريخي لأن أنماط الإنتاج تختلف كما تختلف أنماط التفكير: فنمط التفكير في العصر الوسيط الأوروبي (منطق التشابه) يختلف تماما عن نمط التفكير العقلاني مع بداية العصر الحديث. وحتى الأجناس الأدبية مثل الرواية لا تستثنى من هذه القاعدة.
في ترجمة سفارة لويس الرابع عشر، كيف تعاملتم مع الإحالات التاريخية والثقافية التي قد تبدو بعيدة عن القارئ العربي؟
فيما يخص رحلة السفير بيدو فقد حاولنا نقل نظرة سفير فرنسي حول مغرب القرن السابع عشر وبالتالي حاولنا تفكيك بعض العبارات المبهمة وشرحها شرحا مستفيضا في الهامش، بحكم أن عملية الوصف تطرح صعوبات إدراكية للناظر، الحامل لثقافة أجنبية. والثابت هنا أن المترجم يقرب النص الأجنبي من المتلقي المغربي والعربي ولتحقيق ذلك يعمد إلى توظيف كل التقنيات المتاحة.
✓ كيف توفقون بين الأمانة للنص الأصلي وسلاسة اللغة العربية؟
– لا يمكن الحديث عن أمانة مطلقة للنص الأصلي لأننا أمام لغتين مختلفتين من حيث البنية اللسانية، كما لا يمكن قبول تغيير المعنى بأي حال من الأحوال. فالترجمة تقتضي دائما عملية تفاوض مع كاتب النص مهما كانت صعوبة كتابته؛ وهنا أستحضر كتاب أوبرتو إيكو أن تقول تقريبا نفس الشيء.
✓ برأيكم، ما الذي ينقص حركة الترجمة في العالم العربي اليوم، الدعم أم التخطيط أم التكوين؟ وكيف تقيمون واقع المترجم العربي من حيث الاعتراف بدوره وحقوقه؟
– يبدو لي أن الترجمة تعيش أزمة من حيث الكم ومن حيث تطوير أساليب اشتغالها. مراكز التكوين في ميدان الترجمة نادرة في العالم العربي كما أن الجامعة لا تخصص لها حيزا كافيا لتطويرها، وكل ما هو متاح اليوم من ترجمات هو ثمرة مجهود فردي لأساتذة وباحثين متمرسين: في المغرب مثلا لدينا مترجمين ساهموا في إثراء المكتبة المغربية وأذكر هنا الأستاذ بوشعيب الساوري والمبارك الغروسي وعبد الرحيم حزل وآخرين. لذلك يحتاج المترجم إلى تطوير معرفته والاستفادة من الدعم المادي.
✓ ما مكانة الذكاء الإصطناعي في مجال الترجمة؟ وهل ترونه مساعدا للمترجم أو منافسا له؟
– فيما يخص الذكاء الاصطناعي فأنا أعتبر أن الخوارزميات هي تحصيل لكل ما أنتجه الإنسان، فلا يمكن لهذه الآلية الجديدة تعويض ذات المترجم ووجدانه وتجربته في هذا المجال.
✓ هل هناك كتاب حلمتم بترجمته ولم تتح لكم الفرصة بعد؟ ولماذا؟
– كنت أتمنى ترجمة كتاب Les Mots et les choses للمفكر الفرنسي ميشيل فوكو، رغم صدور ترجمة له ساهم فيها مجموعة من المترجمين. ربما لم يحن الوقت بعد لمشروع جريء كهذا.
✓ ما المشاريع التي تعملون عليها حاليا؟ وما الذي ينتظره قراؤكم في المستقبل القريب؟
– أما الآن فأنا بصدد إتمام ترجمة رحلة سفارية إلى المغرب للكاتب كابرييل شارم Une Ambassade au Marocنقلتها إلى العربية مرفقة بمقدمة عامة ودراسة للمتن والسياق التاريخي. وفي الختام أود أن أشير إلى أننا نعمل دائما على تطوير وإثراء تجربتنا من خلال الاطلاع على تجارب أخرى والتزود بأساليب وتقنيات جديدة.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading