– بقلم : أ. ف
تعرف مدينة القصر الكبير، في السنوات الأخيرة، مبادرة محمودة تتمثل في إطلاق أسماء بعض الشخصيات على شوارع ومؤسسات عمومية. وهي خطوة إيجابية في حد ذاتها، تعكس وعيا بأهمية الذاكرة والاعتراف الرمزي، وتستحق التشجيع والدعم.
ومع التأكيد على القيمة الرمزية لهذه المبادرة، يلاحظ أن أغلب التسميات المعتمدة تظل ذات طابع محلي صرف، وهو اختيار مفهوم في سياقه، بفعل كثرة المطالب والاقتراحات التي يتلقاها المجلس الجماعي من طرف عدد من الفاعلين بمدينة القصر الكبير، والذين يقترحون في الغالب أسماء ذات طابع محلي صرف. بل إن من الإنصاف، حتى على المستوى المحلي، أن تشمل هذه المبادرات أسماء علماء ومفكرين كبار من أبناء القصر الكبير ممن وافتهم المنية، من قبيل أحمد السوسي المرتجي وعبد الجليل القصري وأعلام كبيرة عاشت بالمدينة خلال العصر الوسيط، تقديرا لإسهاماتهم العلمية والفكرية. او على سبيل المثال اسم شخصية إسبانية طبية قدمت الكثير للمدينة وأبنائها اسمها أرنيط.
غير أن الملاحظة الأساسية التي تثيرها هذه المساهمة لا تتعلق بإقصاء المحلي أو التقليل من شأنه، بل بالدعوة إلى التكامل بين المحلي والوطني والإنساني، وذلك عبر تخليد رموز عالمية في الأدب والفكر والتحرر، كما هو معمول به في مدن مغربية كبرى مثل الرباط والدار البيضاء، أو في مدن صغيرة كأصيلة.
وتقدم مدينة أصيلة، على الرغم من حجمها الصغير، نموذجا لافتا في هذا الاتجاه؛ إذ تحتضن شوارع وحدائق تحمل أسماء ذات صيت كبير، من قبيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والروائي السوداني الطيب صالح، والشاعر العراقي بلند الحيدري، والمفكر المغربي محمد عابد الجابري، والفيلسوف محمد عزيز الحبابي، والشاعر الكونغولي تشيكايا أوتامسي. وقد منح هذا الاختيار الفضاء العمومي بعدا ثقافيا وإنسانيا يتجاوز المحلي، دون أن يمس بخصوصية المدينة أو هويتها.
ولا مراء في أن تخليد الأسماء الوطنية والعالمية إلى جانب الرموز المحلية لا يشكل أي تعارض، بل يخلق حوارا حيا بين الذاكرة المحلية والذاكرة الإنسانية المشتركة، ويحول الشوارع والساحات إلى فضاءات للمعرفة والاعتراف وبناء الوعي، بما يليق بتاريخ القصر الكبير ومكانتها الثقافية.
إن تسمية الشوارع والساحات ليست إجراء إداريا محايدا، بل هي اختيار ثقافي وتربوي يعكس تصور المدينة لذاتها ولمحيطها الرمزي، ويمنح الأجيال الصاعدة فرصة للتعرف على شخصيات صنعت التاريخ في مجالات الفكر والأدب والنضال، وربط الفضاء اليومي بالمعنى والذاكرة.
وفي سياق أجواء كأس إفريقيا للأمم، أعاد مشهد أحد المشجعين من الكونغو الديمقراطية وهو يجسد شخصية الزعيم الكونغولي الخالد باتريس لومومبا فتح النقاش حول رموز الذاكرة الإفريقية المنسية، ودفع كثيرين إلى البحث في سيرة هذا القائد التحرري الذي خلد اسمه في عشرات الشوارع والساحات حول العالم، بما فيها مدن مغربية. وهي لحظة دالة لاستحضار القواسم النضالية المشتركة بين المغرب وإفريقيا، خاصة وأن الملك الراحل محمد الخامس كرم لومومبا، كما احتضن المغرب تاريخيا عددا من قادة حركات التحرر الإفريقية.
إن استحضار هذه التجارب يبرز بوضوح أن الانفتاح على رموز عالمية وإفريقية لا ينتقص من الهوية المحلية، بل يغنيها ويمنحها عمقا إنسانيا أوسع، ويجعل من المدينة فضاء حيا للذاكرة والمعنى، وساحة لتلاقي المحلي بالكوني.
ولم لا تمتد هذه المبادرة لتشمل تسمية شوارع وساحات القصر الكبير بأسماء شخصيات من قبيل باتريس لومومبا، نيلسون مانديلا، توماس سانكارا، كوامي نكروما، أميلكار كابرال من رموز التحرر الإفريقي، وغابرييل غارسيا ماركيز، غسان كنفاني، نجيب محفوظ، تشينوا أتشيبي، وولي سوينكا، إدوارد سعيد، محمود درويش، المختار السوسي ، عبد الله العروي ، محمد عابد الجابري، المهدي المنجرة، الطيب صالح من أعلام الأدب والفكر، إلى جانب رموز وطنية بارزة مثل عبد الخالق الطريس،عبد الرحيم بوعبيد، الفقيه البصري، التهامي الوزاني، علال الفاسي، الشهيد امحمد بنعبود، عباس المساعدي، بنسعيد أيت يدر، وأسماء نسائية وازنة مثل ونجاري ماثاي وفاطمةع المرنيسي و بريجيت باردو
، اعترافا بدور المرأة في النضال والتحرر وبناء الوعي.
إنها دعوة لجعل القصر الكبير مدينة تقرأ تاريخها في مرآة العالم، وتمنح فضاءها العمومي بعدا ثقافيا وإنسانيا يليق بعمقها التاريخي وموقعها الحضاري، وهو ما تحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.