كرة القدم الإفريقية بين الاحتفاء بالرموز والانزلاق نحو الاستفزاز.

8 يناير 2026
Oplus_131072

محمد كماشين :
لم تكن استضافة المغرب للنسخة الأخيرة من بطولة إفريقيا لكرة القدم حدثا رياضيا عابرا، بل محطة جديدة تؤكد موقع المملكة كأرض للقاء الأفارقة، وفضاء للتنافس الشريف، ومنصة تعكس العمق الحضاري والإنساني للرياضة في القارة.
فمنذ صافرة البداية، لم تقتصر البطولة المقامة على المستطيل الأخضر، بل امتدت إلى المدرجات، حيث تلاقت الأعلام والثقافات والذاكرة التاريخية لشعوب إفريقيا في مشهد نادر الدلالة.
ومن بين أكثر الصور التي استوقفت المتابعين، مشهد مشجع من جمهورية الكونغو الديمقراطية ظهر متقمصا شخصية الزعيم التحرري الراحل باتريس لومومبا، لم يكن ذلك مجرد تنكر أو لفتٍ للأنظار، بل تعبيرا صادقا عن وفاء شعب لرمزٍ من رموز الكرامة والتحرر في إفريقيا.
لقد وجدت هذه الصورة صدى إيجابيا واسعا في المدرجات المغربية ووسائل الإعلام، لما حملته من معانٍ نبيلة تربط بين الرياضة والتاريخ والهوية.

هذا المشهد، الذي احتضنه جمهور مغربي معروف بروحه الرياضية وانفتاحه الثقافي، أعاد التذكير بأن الملاعب ليست فقط فضاء للتشجيع، بل أيضا مساحة للتعبير الحضاري، حين يحسن استثمار الرموز بعيدا عن الاستفزاز أو الإساءة.
غير أن هذه الصورة المشرقة لم تخل من شوائب، فبعد المباراة التي جمعت منتخب الكونغو بمنتخب الجزائر، صدر تصرف مستفز من أحد لاعبي المنتخب الجزائري ( عمورة) تجاه هذا المشجع، وهو تصرف أثار جدلا واسعا داخل الأوساط الرياضية والإعلامية ، وبغض النظر عن النوايا، فإن الرسالة التي وصل بها الفعل كانت سلبية، لأنها مست رمزا تاريخيا أفريقيا، لا مجرد مشجع عادي.
إن الإشكال هنا لا يتعلق بفريق فاز أو آخر خسر، بل بسؤال أعمق: كيف يمكن للرياضة، وهي أداة للتقارب بين الشعوب، أن تتحول في لحظة انفعال إلى وسيلة إساءة لرموز تحمل قيمة تاريخية وإنسانية مشتركة؟ فباتريس لومومبا ليس رمزا كونغوليا فحسب، بل أيقونة أفريقية جامعة، جسدت حلم الاستقلال ورفض الوصاية.
والمفارقة أن هذا الحدث وقع على أرض مغربية، لطالما شكلت نموذجا في احتضان التظاهرات القارية بروح جامعة، حيث يعامل الضيف كجزء من المشهد، وتحترم الخصوصيات الثقافية والتاريخية لمختلف الشعوب الأفريقية، وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى التذكير بأن تمثيل المنتخبات لا يقتصر على الأداء الفني، بل يشمل السلوك داخل وخارج الملعب.

ولم يكن هذا الحادث معزولا عن مظهر آخر من مظاهر “التهور الرياضي”، صدر عن مدرب المنتخب المصري حين توجه لاستفزاز جمهور سوس العالمة في إشارة منه لعدم رضاه على تعاطفه مع المنتخب الخصم !! عبر حركات و إشارات مستفزة للجماهير.

لقد شهدت عدة دول من بينها المغرب وفي مناسبات سابقة، نقاشا واسعا حول مثل هذه السلوكيات، التي تتعارض مع القوانين المنظمة للمنافسات، وتهدد الأمن الرياضي، وتسيء إلى صورة البطولة والبلد المضيف على حد سواء.
إن المغرب، وهو يستثمر بقوة في البنية التحتية الرياضية ويطمح إلى ترسيخ موقعه كقطب أفريقي وعالمي في تنظيم البطولات، يراهن قبل كل شيء على ترسيخ قيم الاحترام والانفتاح، ولذلك، فإن حماية هذه القيم لا تقع على عاتق المنظمين فقط، بل تشمل اللاعبين، والمدربين، والإعلام، وكل من له تأثير في المشهد الرياضي.
فالانتصار الحقيقي في كرة القدم لا يقاس بعدد الأهداف وحدها، بل بقدرة الجميع على ضبط النفس، واحترام الخصم، وتقدير رموزه، خاصة حين يتعلق الأمر بتاريخ مشترك مليء بتضحيات الشعوب الأفريقية.
إن التعبير عن الفرح حق مشروع، لكنه يفقد معناه حين يتحول إلى استفزاز أو إساءة.
سيظل مشهد مشجع الكونغو المتقمص لشخصية باتريس لومومبا صورة مشرقة من صور هذه البطولة المقامة بالمغرب، لأنه عبر عن كرة قدم تحترم الذاكرة وتحتفي بالرموز، أما السلوكيات الاستفزازية، فستبقى حالات معزولة، لكنها كافية لتذكيرنا بأن الرياضة في حاجة دائمة إلى وعي أخلاقي يوازي التنافس داخل الملعب.
إن الحفاظ على صورة المغرب كأرض للتلاقي الأفريقي، وعلى روح كرة القدم كقيمة إنسانية جامعة، يمر حتما عبر نقد هذه الانزلاقات، والدعوة إلى تصحيحها، حتى تظل الملاعب فضاء للفرح المشترك، لا ساحة لسوء الفهم أو الإساءة.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading