
د . عز الدين محمد البدوي :
على غير عادتي، تأخرت في الاتصال به هذه المرة، شعور غير مألوف اجتاحني، وكأن الزمن صار أسرع مني، وأنا الغافل الذي عهد نفسه بالوفاء والصحبة الصالحة. لم يكن في خاطري أن أترك فرصة للعتاب تمر بلا اعتذار، فلم يسبق لي أن تأخرت عن الاتصال بالسيد المفتش الممتاز أحمد العبودي، الرجل الذي حمل في حضوره الحكمة والصبر، وفي عتابه الدافئ الدرس والإلهام. تركت له رسالة صوتية قبل عشرة أيام، أعتذر له فيها عن تقصيري، وأطلت في سرد الأعذار، محاولًا أن أقنع قلبي قبل أن أقنعه، بأن هذه الأعذار كافية لتخفيف اللوم، على أمل أن يتسع قلبه ويغفر لي، كما كان يفعل دائمًا.
وصل الرد، كعادته، يحمل جمال البداية ولطافة العتاب، وكأن صوته يطرق أبواب قلبي قبل أن يصل إلى طبلة أذني: “كيف حالك؟ وكيف حال الدكتورة ومحمد نور ووسيم وبقية الأسرة؟” ثم تابع مباشرة، وعيناه تلمعان بفهم أعماق النفوس: “أين تلك العبارات التي طالما كنت ترددها في كل اتصال بي، أيها البدوي؟ ماذا جرى وقد نزعت قبعة المفتش قبل سنتين؟ لقد تحللت من تلك الألقاب ونزعت النياشين، ولزمت محراب الكتابة والتأليف، مستعينًا بالله العلي العظيم أن يجعل لي البركة في العمر وينفع الخلائق بما تخطه أناملي.”
تذكرت حينها آخر شهور عمله الإداري، التزامه بالتخلص من البروتوكولات الثقيلة، استثقاله للمهام التي لا فائدة فيها، تلك المهام التي لا تربط بين قلبه وقلوب الأساتذة. تذكرت اليوم الذي طلب مني فيه أن أنوب عنه لتسلم عدة السيد المفتش: أوراق وأقلام وملفات ومكتبيات. قمت بالمهمة، وكانت هدية منه، لمست قلبي، وكأنها تذكار مفتش ممتاز، وآثار رجل صالح، ومربي فطن، وكاتب ألمعي. الطابع الخاص الذي نقش بداخله اسمه: “السيد أحمد العبودي، مفتش مادة التربية الإسلامية”، ظل عندي ذكرى خالدة، أثرًا لكل لحظة تعلمتها معه.
قبل أن أبدأ مهنتي، قبل أن ألبس وزرة التربية الإسلامية، كنت أحلم بتلك الصحبة التي تجعل من التعليم رسالة، وليست مجرد وظيفة. كان اللقاء الأول معه في بداية دجنبر 2006، ليلة الاثنين التي حفرت في ذهني انطباعًا استمر عقدين من الزمن. اقتحمت حجرات الدرس في حضرته، ويممت محراب حلم ظل يراودني منذ الصغر، أن أكون مدرسًا لمادة التربية الإسلامية. وكان وجوده معي كوجود الأب الحاني، يأخذ بيدي كما يأخذ الأب بيد ابنه البار، يعلمه ما ينفعه، ويمنحه القدرة على أن يحلق بعيدًا، متسلحًا بالعلم والإيمان والحكمة.
تشربت معاني الصحبة الصالحة، قرأت الأحاديث النبوية عن الصحبة، ومنها حديث الصديق أبي بكر رضي الله عنه: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج عني من عندك؛ فقال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك؟ فداك أبي وأمي. فقال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة. قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله. قال: الصحبة.” وقالت: “فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ” (سيرة ابن هشام). وروى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: “إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء: كحامل المسك ونافخ الكير. فحامل المسك إمّا أن يُحذيك، أو أن تبتاع منه، أو تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إمّا أن يحرق ثيابك، أو تجد منه ريحًا منتنة” (متفق عليه).
كنت أعي قيمة الصحبة، وأدركت منذ البداية أن من يختار الطريق مع الصادقين يكون له نصيب من البركة والهداية، كما أمرنا الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}. وحثّ على صحبة العابدين: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. وبهذا الطريق ازددت يقينًا بأن الصحبة الصالحة أصل في طريق الإحسان، وأن من صحب الأخيار لا يندم، وأن من صحب الأشرار قد يندم ساعة العمر.
مرت سنوات، وكنت أتأمل رحلتي، وأسائل نفسي عن أثر تلك الصحبة، عن شعلة البداية التي أضاءت دربي، وعن الجدوة التي حملتها، وعن الوفاء للقسم والوعد الذي قطعتُه على نفسي. أسأل: هل بقيت حيويتي، وهل بقيت النشاط والحماس، أم تلاشت بين دوامات الإحباط، وخاصة بعدما أجهزت المؤسسة على التعليم الأصيل، ذلك المرتع الذي كان جزءًا من هويتي؟ هل ضاع الأستاذ كما ضاع التعليم الأصيل في مدينة القصر الكبير؟
ثم جاء الفرح الكبير، خبر العمر ما ينتظره كل مؤمن، كان فرحي لا يقل عن فرحه، وبهذه المناسبة حملت له درعًا متميزًا منحته جمعية الانبعاث، عربون محبة وشكر لما بذله ويبذله في خدمة العلم والآداب والتربية. وكان الدكتور أنور ترفاس حريصًا على هذا التتويج، ينسق كل التفاصيل، وينسج الحفل بعناية فائقة، ويرتقي بالمناسبة إلى أبهى صورها، فيما أشرف على التنظيم محمد فيكيسن، ليكتمل المشهد.
في الأمسية الثقافية، ارتديت الكوفية الفلسطينية، رسالة تضامن مع غزة العزة، وقضية فلسطين العادلة، وتقدمت لتسلم الدرع نيابة عن السيد المفتش الممتاز. مشيت بخطوات متواضعة، وفي نفسي رسالة وفاء وموقف ثابت، تصفيقات حارة، صدى الصور للذكرى، وفي داخلي شعور عميق: الرسالة وصلت، والموقف سجل، وهذا أضعف الإيمان.