نكبة الأندلس وسقوط آخر ملوك الأندلس.

5 يناير 2026

بقلم : عبد القادر الغزاوي

في مثل هذا اليوم 2 يناير 2026 م . تحل الذكرى 534 .

قبل البدء … يجب توضيح بأن الآتي من الحديث لا يتعلق بسرد تاريخ نهاية حكم الإسلام في الأندلس ، وما صاحب ذلك من حوادث وصراعات ، وإنما يتعلق بذكرى سقوط الأندلس الإسلامية . وأثر ذلك في الوجدان العربي ، وخاصة في مناحي الأدب والشعر العربيين ، حتى يكون القارئ على بينة من فحوى الموضوع …
في يوم 2 من شهر يناير من سنة 1492 م ، انتهى الحكم الإسلامي في الأندلس ، أو نهاية دولة الإسلام في الأندلس ، وضياع الفردوس المفقود ، ونهاية آخر ملوكها السلطان أبي عبد الله محمد النصري ابن الأحمر (1460 – 1534م ) ، سلطان مملكة غرناطة . ( ووصل السلطان ابن الأحمر المخلوع بعد نزوله بمليلية إلى مدينة فاس بأهله وأولاده معتذرا عما أسلفه ، متلهفا على ما خلفه ، وبنى بفاس بعض قصور على طريقة بنيان ا[ندلس ، وتوفي سنة أربعين وتسعمائة ودفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة وخلف ذرية من بعده . قال في نثر المثاني : ” انقرضوا ولم يبق منهم ” . وزعم منويل أنه هلك في وقعة أبي عقبة في حرب الوطاسيين مع السعديين ، قال : ” ولم يحسن هذا الرجل أن يدفع عن ملكه فدفع عن ملك غيره ” ) . (1) .
و أسدل الستار على آخر صفحة لحقبة من الحكم الإسلامي في الأندلس . وذلك نتيجة معاهدة التسليم التي تم توقيعها يوم 25 نونبر سنة 1491 م ، والتي تنص على مغادرته . يقول محمد عبد الله عنان : ( وطويت إلى الأبد تلك الصفحة المجيدة المؤثرة من تاريخ الإسلام ، وقضى على الحضارة الأندلسية الباهرة وآدابها وعلومها وفنونها وكل ذلك التراث الشامخ بالفناء والمحو . ودخل النصارى غرناطة في الثاني من ربيع الأول سنة 897 (2 يناير 1492) ، واحتلوا حمراءها وباقي قصورها وحصونها وخفق علم النصرانية ظافراً فوق صرح الإسلام المنهار . ) . (2) .
وعند مغادرة السلطان أبي عبد الله قدم مفاتيح غرناطة إلى الملكين الكاتولكين إيزابيلا وفرناندو، وعند مسيره وقف ينظر ويتأمل مملكته آخر مرة ، وهو يبكي ويتأسف على هذه النهاية المحزنة والمؤلمة التي لحقت به وبمملكته ، فخاطبته أمه السيدة عائشة الحرة بنت محمد الأحمر بقولها :
ابكِ مثلٙ النساء مُلكاً مُضاعاً ×× لم تحافظ عليه مثلٙ الرجال .
حيث يعرف المكان الذي وقف به ب ” زفرة العربي الأخيرة ” وبالإسبانية :
EL ULTIMO SUSPIRO
DEL MORO

يقول محمد عبد الله عنان : ( … وفي أوائل شهر اكتوبر سنة 1493 م ، غادر أبو عبد الله الوطن القديم في غمر من الحسرات والأسى ، وجاز البحر إلى المغرب ، بأسرته وأمواله وحشمه ، من ثغر أدرة الصغيرة الواقع جنوبي برجة في سفينة كبيرة أعدت لجوازه ، وعبر في نفس الوقت من ثغر المنكب ، عدد كبير من الوزراء والقادة والأكابر ، من صحبه من آثروا الرحيل …) (3) .
في سنة 1493 م غادر السلطان أبو عبد الله الأندلس وقصد المغرب ، عند وصوله إلى المغرب نزل في مليلية ، وبعدها قصد مدينة فاس التي كانت تحت حكم الوطاسيين ، واستقر بها وشيد بها قصورا على طراز القصور الأندلسية ، وبقي بها ما يقرب من أربعين سنة إلى أن توفي بها سنة 1534 م ، ودفن بها ، وترك ولدين هما يوسف وأحمد . وقد تقدم إلى السلطان الوطاسي محمد الشيخ برسالة اعتذار واستعطاف طويلة من نظم وإنشاء كاتبه ووزيره الأديب والشاعر محمد بن عبد الله العربي العقيلي ، وسماها ” الروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس ” . يعتذر فيها على ما أصاب بلاد الأندلس والنهاية المأساوية التي آلت إليها ، وافتتحها بقصيدة رائعة طويلة ، وبعدها نصا نثريا طويلا بليغا وفصيحا . يقول في مطلع القصيدة :

مَولَى الملوك مُلوك العُربِ والعَجَم ×× رعْيا لِما مِثْلُه يُرْعى من الذِّمَـــــمِ
بك استجَرْنا ونِعم الجارُ أنت لمـن ×× جار الزمان عليه جَوْر مُنتقــــــــم
حتى غدا مُلْكُه بالرغم مستلَبــــــا ×× وأفظعُ الخَطْب ما يأتي على الرَّغَم
حُكْمٌ من الله حَتمٌ لا مرَدَّ لـــــــــه ×× وهل مرَدٌّ لحكمٍ منه مُنْحَــتـــــــــــــم .
ويقول المؤرخ المغربي عبد الحق المريني ( انه لما كانت الأندلس الآفلة تلفظ نفسها الأخير ، جاء آخر ملوكها من بني الأحمر ، أبو عبد الله محمد الغرناطي إلى المغرب من قصر الحمراء ” وجنة العريف ” في يناير 1492 م ، ربيع 1 ـ 898 هـ ، مع جمهرة من أقطاب العلم والأدب والفكر ، بعدما أخذت منه مدينة غرناطة ، قهرا فنزل بمدينة مليلية ثم فاس وبعث برسالة استعطاف مؤثرة إلى سلطان فاس محمد الشيخ الوطاسي سماها : ” الروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس ” ، معتذرا فيها عما أصاب الإسلام في الأندلس ، ومتبرءا مما نسب إليه من التفريط والإهمال .
وقد افتتح رسالته بقصيدة من نظم وإنشاء وزيره وكاتبه محمد بن عبد الله العربي العقيلي ، متوسلا فيها أن يجيره ويعينه على رفع الضيم الذي أصابه ، بعدما شعر بثقل مسؤولية سقوط الأندلس على عاتقه وبفداحة التبعة التي يتحملها أمام التاريخ .
يقول في مطلعها :
مولى الملوك ملوك العرب والعجم ×× رعيا لما مثلُه يرعى من الذمم
بك استجرنا ونعم الجار أنت لمـن ×× جار الزمان عليه جور منتقـم
حكم من الله حتم لا مراد لـــــــــه ×× وهل مرد الحكم منه منتحـــــم
إلى أن يقول :
ولا تعاتب على أشياء قد قدرت ×× وخط مسطورها في اللوح بالقلم ) ( 4 ) .
وكانت هذه النهاية المأساوية التي ذهبت معها دولة الإسلام في الأندلس وأصبحت تعرف بالفردوس المفقود ، فأوحت إلى بعض الكتاب والشعراء بجميل الإبداع وبليغ التعبير ، فجادت قريحتهم بنظم رائع وشائق . ويوجد جماعة من الشعراء تناولوا الموضوع نفسه ، وغدت قصائدهم من أجمل ما نظم من شعر في رثاء المدن .
وأذكر من الشعراء الذين خلدوا هذه النهاية الحزينة الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي
( 1204 – 1285 م ) . والشاعر السوري نزار قباني ( 1923 – 1998 م ) .

1 ) أبو البقاء الرندي :
قصيدة : لكل شيء إذا ما تم نقصان . وهي قصيدة طويلة ، يقول مطلعها :
لكل شيء إذا تم نقصـــــــــــان ×× فلا يغرن بطيب العيش إنســان
هي الأمور كما شاهدتهـــا دول ×× من سره زمن ساءته أزمـــــان
وهذه الدار لا تبقى على أحـــــد ×× ولا يدوم على حال لها شـــــان
يمزق الدهر حتما كل سابغــــــة ×× إذا نبت مشرفيات وخرصــــان
وينتضي كل سيف للفناء ولـــــو ×× كان ابن ذي يزن والغمد غمـدان
أين الملوك ذوو التيجان من يمن ×× وأين منهم أكاليل وتيجــــــــــان
×××

2 ) نزار فباني :
قصيدة : أحزان في الأندلس . وهي قصيدة طويلة ، يقول مطلعها :

كتبت لي يا غاليه..
كتبت تسألين عن إسبانيه
عن طارق،
يفتح باسم الله دنيا ثانيه..
عن عقبة بن نافع
يزرع شتل نخلة..
في قلب كل رابيه..
سألت عن أمية..
سألت عن أميرها معاويه..
عن السرايا الزاهيه
تحمل من دمشق ..
في ركابها
حضارة .. وعافيه..


لم يبق في إسبانيه
منا، ومن عصورنا الثمانيه
غير الذي يبقي من الخمر،
بجوف الآنيه..
وأعين كبيرة .. كبيرة
ما زال في سوادها
ينام ليل الباديه..
لم يبق من قرطبة
سوى دموع المئذنان الباكيه
سوى عبير الورد، والنارنج
والأضاليه..
لم يبق من ولادة
ومن حكايا حبها..
قافية. ولا بقايا قافيه..


لم يبق من غرناطة
ومن بني الأحمر..
إلا ما يقول الراويه
وغير ( لا غالب إلا الله )
تلقاك بكل زاويه.
لم يبق إلا قصرهم
كامرأة من الرخام عاريه..
تعيش – لا زالت – على
قصة حب ماضيه..
×××

المراجع والهوامش :
1 ـ كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى . الجزء الرابع . القسم الثاني . الدولة المرينية . أحمد بن خالد الناصري . السنة 1955 م . الصفحة رقم 135 .
2 و3 ـ محمد عبد الله عنان . كتاب دولة الإسلام في الأندلس . العصر الرابع . نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين . الصفحتان رقم : 264 و 278 . الطبعة الرابعة . السنة 1997 م .
4 ـ كتاب منارات من تاريخ المغرب . تأليف عبد الحق المريني . السنة 2015 م . الصفحتان رقم : 44 و 45 . ( سلسلة شرفات رقم 69 . منشورات الزمن ) .
5 ـ كتاب مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام . تأليف محمد عبد الله عنان . الطبعة الرابعة. السنة 1962 م .
6 ـ كتاب تراجم سلامية شرقية وأندلسية. تأليف محمد عبد الله عنان. الطبعة الأولى . السنة 1947 م .
7 ـ كتاب الآثار الأندلسية الباقية في إسبانيا والبرتغال. دراسة تاريخية أثرية. تأليف محمد عبد الله عنان. الطبعة الأولى . السنة 1956 م .
8 ـ كتاب العربي أندلسيات . تأليف محمد عبد الله عنان . العدد العشرون. 15 يونيو 1988 م . ( معاهدة بيع الأملاك). 9 ـ مجلة الهلال عدد أول يونيه 1936. دفاع أبي عبد الله آخر ملوك الأندلس بقلم محمد عبد الله عنان .
10 ـ كتاب أزهار الرياض في أخبار عياض . تأليف شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني . ضبطه وحققه مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي . المعهد الخليفي للأبحاث المغربية بيت المغرب . السنة 1939 م .
11 ـ كتاب نفح الطيب . الجزء الرابع . تأليف شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني .
12 ـ كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى . الجزء الرابع . القسم الثاني . الدولة المرينية . تأليف أحمد بن خالد الناصري . السنة 1955 م .
13 ـ كتاب نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني . الجزء 1 . تأليف محمد بن الطيب القادري . تحقبق محمد حجي وأحمد توفيق . السنة 1977 م . الصفحة رقم 315 ( سقوط غرناطة ) .
14 ـ كتاب نبذة العصر في أخبار ملوك بني نصر . الفريد البستاني . السنة 1940 م .
15 ـ كتاب إفريقيا . تأليف مارمول كَرْبَخال . الجزء الأول . ترجمة محمد حجي و محمد زنيبر ومحمد الأخضر وأحمد توفيق وأحمد بنجلون . السنة 1984 م . الصفحات من 426 إلى 459 .
16 ـ كتاب في الأدب الأندلسي . تأليف جودت الركابي . الطبعة الثالثة. السنة 1970 م .
17 ـ أبو البقاء الراندي . الديوان .
18 ـ نزار قباني . ديوان الرسم بالكلمات .
19 ـ الموضوع نشر بجريدة الشمال ( 2000 ) . أسبوعية . العدد 870 . التاريخ : من 03 إلى 09 يناير 2017 م .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading