
– الأستاذة فاطمة بالعربي :
في زمن البرود الرقمي، لم تتغيّر العلاقات الإنسانية في جوهرها بقدر ما تغيّر شكل حضورها ، انتقل الإنسان من الوجود إلى التمثيل، ومن المشاركة إلى الإشارة..صار يُعزّي بالضغط على زر، ويُهنئ بنسخة واحدة توزَّع على الجميع، وكأن المعنى يمكن اختصاره في إشعار عابر.
فلسفيا، ما يحدث ليس فقرا في المشاعر، بل تراجعا في المعنى. العزاء في أصله مشاركة في الثقل الوجودي للفقد، والتهنئة اعتراف بامتلاء لحظة الفرح ، وحين يفرغان من الحضور الجسدي والإنصات الصامت يتحولان إلى طقس بلا روح، وإلى فعل لا أثر له إلا في الأرشيف الرقمي.
لقد علمنا العالم الرقمي أن نكون متصلين دائما، لكنه لم يعلمنا كيف نكون حاضرين. الحضور ليس رسالة، بل استعداد لتحمل لحظة الآخر؛ أن تجلس مع حزنه دون استعجال، وأن تشاركه فرحه دون استعراض، وحين يغيب هذا الاستعداد تبهت العلاقات، مهما كثرت الوسائط.
البرود الرقمي ليس في التقنية ذاتها، بل في وهم الاكتفاء بها، حين نصدّق أن الكلمات الجاهزة تُغني عن العيون، وأن الإيماءة الافتراضية تعوّض المصافحة، نفقد ببطء تلك المساحة الحميمة التي كانت تُشكّل إنسانيتنا.
ومع ذلك، تبقى الفلسفة بسيطة في جوهرها:الانسان لايقاس بسرعة الرد بل بعمق الاثر ، ولا يعزي لانه واجب اجتماعي ، بل لأنه كائن هش يرى هشاشته في الآخر.
ربما لا نستطيع الهروب من العصر، لكننا نستطيع إنقاذ المعنى داخله ، بأن نعيد للعزاء ثقله وللتهنئة صدقها، وللعلاقة الإنسانية جوهرها… حضورا لا يختصر، ودفئا لا يُرقم.