” حين يصبح الحضور عبئًا “

2 يناير 2026


بقلم : احمد الشواي.

لم يعد الغياب هو المشكلة في زمننا،
.بل أن تكون حاضرًا أكثر مما تحتمل.

نستيقظ على الإشعارات، وننام على التذكيرات، ونقيس أيامنا بسرعة الرد لا بعمق الشعور. لا أحد يسأل إن كنا بخير، بل إن كنا متاحين. وكأن الإنسانية أصبحت شرطًا تقنيًا لا تجربة داخلية.
الصمت اليوم لم يعد مساحة شخصية، بل علامة
استفهام.

من لا يرد سريعًا يُساء فهمه،
ومن يتأخر يُتهم بعدم الاهتمام،
ومن ينسحب قليلًا يُنظر إليه كأنه اختفى عن عمد.
هكذا، بهدوء، أصبح الإنسان مطالبًا بأن يبرر وجوده.
نحن لا نُرهَق لأننا نعمل كثيرًا فقط، بل لأننا لا نغيب أبدًا.

اليوم مفتوح بلا نهاية، والخاص متداخل مع العام، والعمل يتسلل إلى كل زاوية من الحياة. كل شيء مستعجل، وكل شيء ينتظر ردًا فوريًا، وكأن التأخر خطأ أخلاقي.

المفارقة أن هذا الحضور الدائم لم يجعلنا أقرب.
بل جعل كثيرين يشعرون بوحدة من نوع جديد:
وحدة داخل الاتصال،
وحدة وسط الكلام،
وحدة لا تُرى.

نحن نتواصل أكثر، لكننا نُصغي أقل.
نظهر كثيرًا، لكننا نفتقد أنفسنا.
نكتب ونتفاعل، لكننا نادراً ما نسأل: ماذا نشعر حقًا؟
في هذا الواقع، لم تعد الهوية حكاية تُروى،
بل ملفًا يُحدَّث باستمرار.

لم تعد الذات رحلة،
بل أداءً متواصلًا تحت المراقبة.
ولم يعد الإنسان يُعرَف بما يحلم به،
بل بما يستطيع إثباته بالأرقام والحضور والنشاط.
الأخطر أن كل هذا يحدث بلا ضجيج.
لا أوامر صريحة، ولا قمع مباشر،
بل نظام ناعم يُقنعك أن التوفر فضيلة،
وأن الغياب تقصير،
وأن الراحة ترف.

لهذا يشعر كثيرون بتعب لا اسم له.
ليس حزنًا واضحًا، ولا أزمة معلنة،
بل إنهاك خفيف ومتراكم،
يشبه العيش في غرفة مضاءة دائمًا
دون مفتاح لإطفاء النور.

ربما نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف معنى الحضور.
أن يكون الإنسان حاضرًا لنفسه أولًا،
قبل أن يكون متاحًا لكل شيء آخر.
أن يُسمح له بالصمت دون تبرير،
وبالابتعاد دون شعور بالذنب.

في عالم يطلب منا أن نكون دائمًا هنا،
قد تكون أبسط أشكال المقاومة
أن نختار أحيانًا
أن نكون مع أنفسنا.

ح. 01/01/2026

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading