الأستاذ القدوة ودوره في بناء الوعي التربوي المبكر شهادة في حق المرحوم الأستاذ محمد الزياني

29 ديسمبر 2025
Oplus_131072
  • بقلم : الأستاذ أحمد العبودي .

كان عبء التحضير لاجتياز امتحان البكالوريا يثقل كواهلنا، بما يرافقه من ضغط نفسي وتوتر ذهني، غير أن حضور بعض الأساتذة إلى جانبنا شكّل سندا تربويا ونفسيا حقيقيا، مكّننا من تجاوز كثير من عوامل الارتباك والقلق المرحلي. وعلى رأس هؤلاء، برز المرحوم الأستاذ محمد الزياني شامخا، محفزا وموجّها ومؤطّرا فذا، ومجسدًا لمعنى الالتزام التربوي في أسمى تجلياته.
إن ما ميّز تجربتنا الدراسية ، على نحو لافت، نحن التلاميذ الذين اجتزنا البكالوريا سنة 1980، هو وجود الأستاذ محمد الزياني، مدرس اللغة العربية، الذي لم يكن حضوره مقتصرا على قاعة الدرس، بل كان فاعلا في مختلف فضاءات المؤسسة وخارجها. لم يكن من المدرسين الذين يكتفون بأداء وظيفي محدود من فوق المنصة، بل كان يتحرك داخل المؤسسة التربوية (الثانوية المحمدية ـ القصر الكبير)، مشرفا على الأنشطة المرتبطة بامتحانات البكالوريا، ومشاركا في أنشطة أخرى بدار الشباب، بل وحتى في المركز الثقافي البلدي، مساهما في إشاعة روح الجدية والانخراط المسؤول في التحصيل العلمي كرئيس لجمعية مواقف ولجمعية تربوية خاصة بمدرسي مادة اللغة العربية…
كانت هيبة الأستاذ واضحة، وكلماته رصينة، واطلاعه الواسع مصدر إلهام للتلاميذ ولزملائه على حد سواء(خاصة بعد أن أصبح مفتشا تربويا). لم يكن مجرد مدرس، بل مثقفا ملتزما، محنكا، يحظى باحترام واسع داخل الوسط التربوي والثقافي. وكان تفوقه الأكاديمي بارزا، إذ تقلّد مهام مفتش للغة العربية في سن مبكرة، وهذا ما تأكد لنا لاحقا حين لمسنا أنه يتفوّق علميا ومنهجيا على كثير من أساتذة الجامعة أنفسهم في تخصص اللغة العربية وآدابها. كنا نلمس في خلاصات دروسه التي يمليها علينا تأليفا علميا دقيقا، لم يكن يكتب، بل كان يبدع ببصيرة وإحكام.
وفي خضم حراك استعداداتنا لاجتياز امتحان البكالوريا، كان الأستاذ محمد الزياني حاضرا حضورا فاعلا، أشبه بالشمس التي تضيء الأفق بثبات وتوهّج. لم يكن مجرد ناقل للمعرفة، بل كان مربّيا حقيقيا، تتجلى هيبته في كل كلمة، تبهر ثقافته الواسعة كل من تحاور معه. بدا لنا ـ وهو ينجز الدرس ـ أديبا وناقدا وشاعرا ومفكرًا فذا، معه تذوقنا جمالية الأدب وفنونه، نثرا وشعرا، من خلال المنهاج الدراسي المقرر، وذلك في تفاعل حي بين النص والسياق التاريخي والاجتماعي الذي كان يميز المرحلة بكل تحولاتها.
كان يشجّع التلاميذ على تقديم عروضهم بأنفسهم، ثم يعمل على صقلها بإرشاداته الدقيقة، مؤكدا باستمرار على ضرورة الالتزام بالموضوعية في التحليل والاعتدال في النقد؛ خلال ندوة تربوية حول رواية «دفنّا الماضي» وعلاقة الشكل بالمضمون، قال لنا بصوت واثق ما يفيد: إن المعالجة الموضوعية ضرورة لا غنى عنها. تجنبوا النقد المجاني، فالأيديولوجيات الحزبية قد تؤثر على المصححين، لكن ما يهمني هو أن يكون نقاشكم ناضجا ومتوازنا. تعلمون أن صاحب رواية “دفنّا الماضي” ذو منزع أيديولوجي معيّن، ومن المدرسين المصححين من اختاروا منزعا آخر قد يكون على النقيض من الأول… وهنا تكمن المشكلة.”
ومن خلال هذه التوجيهات، كان الأستاذ الزياني يرسّخ في أذهاننا قواعد الكتابة الإنشائية السليمة، سواء في تحليل النصوص النثرية أو الشعرية، أو في دراسة المؤلفات، رابطا بين المنهجية الأكاديمية والوعي النقدي، وبين المعرفة والمسؤولية الفكرية
في كل حركة من حركات المرحوم الأستاذ محمد الزياني، وفي كل كلمة توجيه أو إشراف، كان التلاميذ يشعرون بأنهم أمام نموذج للمدرس المثقف والملتزم، الذي لا يكتفي بتدريس المناهج، بل يساهم في بناء الشخصية الفكرية لتلاميذه، ويغرس وعيا نقديا متوازنا، ويمنح الثقة لقداسة العلم والقدرة على التحليل الموضوعي. لقد كان حضوره الفيزيقي والروحي داخل القسم يجعل المؤسسة فضاءً نابضا بالمعرفة، مشبعا بالجاذبية، يشعل في قلوب التلاميذ شغف التعلّم والاكتشاف، ويفرض ـ طواعية ـ الاحترام والهيبة والإلهام. ولقد ظل هذا العطاء التربوي ممتدا إلى أن اختاره الله إلى جواره، فرحل الأستاذ محمد الزياني عن دنيانا(30 غشت 2021)، وبقي أثره راسخا في نفوس تلامذته وزملائه بما يجعله أثرا تربويا وإنسانيا يصعب نسيانه. رحمه الله أستاذنا محمد الزياني رحمة واسعة.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading