ملحمة الروح والصداقة واليقين: حكاية الحروف بيني وبين الدكتور الصديق محمد الغرافي

28 ديسمبر 2025


اد.محمد عزالدين البدوي.

في الليالي التي تنساب فيها النجوم بصمت، كنت أكتب عن غزة… عن وجع الأرض ودموع القلوب، وجدت نصا يشبه وجعي وحنيني، ضمنته مقالا كنت بصدد جمع شتاته بعنوان ” مفجوع ولا نامت أعين الجبناء”
أرسلت لصديقي نصه وأنا فرح مبتهج مسرور، لأني أجعل من نصه إحالة من الإحالات التي ربما يتزين بها مقال عنونته : “غزة ستنتصر
رد عليّ بوابل من الثناء (حين وصلتني رسائلك يا محمد، كنسيم يلامس الروح، يحمل وجعًا مماثلًا لتوجع قلبي، ويحتضن حسراتي بين ثنايا الحروف. كلماتك كانت مرآة للحنين، خربشاتك نصًا يتنفس، رحلة إلى أعماق النفس، إلى صدق الإنسان وإحساسه الذي لا ينتهي.
كتب لي صديقي الغرافي بصوت دافئ، كهمس الشمس في صباح باكر:
“الكتابة ليست مجرد كلمات… هي وجع ومشاعر. كتابة عن إحساس الإنسان. وأنت، سي محمد، لك إحساس وافر بالإنسان.”
انسكب الدفء في صدري، وكأن النور اقتحم غرفتي حين أضاف:
“شرف لي، وأي شرف… طوبى لك. لك قدرة على الاعتراف بالآخر، على تهدئة نفسه وخاطره، وإن لم يكن هناك ما يستحق، فأنت تعرف كيف ترتقي به معارج الروح. الله يسعدك في الدنيا والآخرة.”
تبادلنا الحديث عن اليقين، عن السلام الداخلي الذي ينبع من معرفة أن كل شيء مقدّر، وأن الرزق محفوظ، والقدر مكتوب:
قلت له أخفف عنه بعض من حسراته:
“لو كان لنا خير في الجامعة أو المراكز، فلن يضيعنا الله… ولو كان غير ذلك، فنحن راضون بما قدّره لنا.”
ابتسم قائلاً:
“هذا هو اليقين… وأنت تعرف هنات النفس، وتعرف كيف تسكن الروح في صفاء وطمأنينة.”
ذكرت له حكمة من درر ابن عطاء الله السكندري:
“ربما منعك فأعطاك، وربما أعطاك فمنعك…”
وثنيت له بكلام نفيس ينسب للحسن البصري:
“علمتُ أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأن قلبي، وعلمتُ أن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به وحدي، وعلمتُ أن الله مُطلع عليّ فاستحييت أن يراني عاصيًا، وعلمتُ أن الموت ينتظرني فأعددتُ الزاد للقاء ربي”
ابتسم صديقي الدكتور محمد الغرافي وأضاف بصوت يشبه نسيم المساء: صدقت.
أردفت :
“ولا يغيب عنك أيها العزيز أن الله يريدك لتعليم وتربية بعض خلقه في الثانوية المحمدية…”
قال لي مرتاحا:
“الحمد لله على كل حال… ولن يكون إلا ما أراده الله. رسالتنا رسالة نبيلة، رسالة محبة للمتعلمين، رسالة نصح وإرشاد.”
وابتسم قائلاً:
“ورسالتك، سي محمد، رسالة ربانية وإنسانية… تعرف كيف تأخذ بنفوس الناس إلى صراط اليقين، ليقفوا على رصيف الطمأنينة. مشهد ذلك الشاب القادم ليقرأ القرآن يهز النفوس والأرواح… طوبى لك بهذه الروح المفرطة في إنسانيتها.”
أخبرته مفتخرا: إنه تلميذي وقرة عيني، نورٌ صغير يضيء دربي:
“حافظ لكتاب الله، درس عندي ثلاث سنوات في التعليم الأصيل، حصل على الباكالوريا تخصص العلوم الشرعية… وكان تكييف الامتحان ضروريًا له.”
رد قائلاً:
“بارك الله فيك وفيه وحفظه الله… وكان الله في عونه دائمًا. وحرصك على أن يقرأ القرآن ليس له جزاء سوى الجنة.”
ذكرت له منتشيا:
“أشرف اليونسي هذا بركة من بركات التعليم الأصيل، كأنه طفل صغير يعيش في جسم شاب يافع .”
قال:
“صحيح، سي محمد… هو آية من آيات الله تعالى. جعل تدريسكم له بركة في ميزان حسناتكم إن شاء الله. جبر الخواطر هو ما نحتاجه لإصلاح أعطاب النفوس.”
ضحكنا معًا، والرسائل تنساب كنسيم دافئ في أرجاء الليل، فقال صاحبي الغرافي:
“ههه… تتقن فن الثناء سي محمد… أنت كامل وناجح في تخصصك ومع محيطك، وهذا أكبر ربح يمكن أن يراهن عليه الإنسان.”
ابتسمت لكلماته لي، وأضاف:
“الله يحفظك سي محمد… وأنت تعرف محبتك عندي مذ تدخلت لأول مرة بيني وبين تلميذ في حراسة الوطني… منذ ذلك الحين والله يشهد على محبتي لك سي محمد.”
قلت في نفسي: الحمد لله… على نعمة الصحبة. فقال:
“الحمدلله… على نعمة الصحبة… اللهم ارزقنا صحبة الخيرين.”
ثم تابع الدكتور الصديق محمد الغرافي بروح متفائلة وحماسية:
“أخذت من وقتك ربما… سأختم بآخر فكرة. أنا أعرف علاقتك بالتعليم الأصيل.”
فأجبته، والابتسامة ترتسم على شفتيّ:
“هذه من أحسن المراسلات الليلية في حياتي… ههههه. الإمتاع والمؤانسة.”
اقترب الحديث أكثر من القلب، واقترح بصوته المشرق:
“ماذا لو فكرت في تسجيل حلقات تعرض فيها علاقتك بطلابك الفقهاء؟ كل حلقة تستضيف فيها طالبًا، وتعرض الحلقات في شهر رمضان… وبذلك يبقى التعليم الأصيل حاضرًا، ولو عبر الذاكرة.”
وقد أجهزت عليه الدولة كما تجهز على كل شئ جميل ونافع.
ابتسمت داخليًا، وهو يضيف:
“أكييد، أنت في مقام أبيهم، وأنا شاهد على علاقتك بهم. رغم فساد وهشاشة أفكاري، تبقى وكأنها ليلة من ألف ليلة وليلة… حكاية الليلة الأولى.”
وتتابعت الكلمات تتراقص كأنها نغمات عذبة:
“وإمتاع ومؤانسة الليلة الأولى… حاضران طبعا، ليلة الإمتاع والمؤانسة، والبسمات الخفيفات.”
وفي ختام الليل، ختم قائلاً:
“حفظك المولى سي محمد وبارك فيك أخي.”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading