
- الاستاذ : احمد العبودي
معلوم أن الماء معطى طبيعي مركّب، له ماهية كيميائية (H₂O)، لكنه يُدرَس بسلوكه الفيزيائي (السيولة، الانسياب، التحوّلات)،ويكتسب دلالات رمزية وإنسانية حين يدخل مجال التأمل والفكر والأدب…بمعنى أنه كيميائي في جوهره، فيزيائي في سلوكه، وإنساني في دلالاته وأبعاده الوجودية. وبالنظر التأملي لا يبقى الماء مجرّد عنصر طبيعي. ولكنه يصبح كائنٍا حكيما، يلهم ويرشد ويعظ، بل يصبح منظومة قيَم تُقاس عليها إنسانية الإنسان. وهذه بعض القيم النبيلة التي يوحي بها الماء…ذلك الكائن المسالم:
الاستقامة ومعرفة الطريق:
للماء استقامةٌ خفيّة، يعرف بها طريقه نحو الانحدار دون تردّد، لا يناور ولا يحتار، بل ينصاع لقانون داخلي ثابت. كذلك الإنسان حين يصدق مع نفسه؛ يعرف وجهته دون حاجة إلى تبرير، ويسير نحو ما يشبهه في العمق، ليس لأن الطريق سهل، بل لأنه الطريق الوحيد الممكن.
المواظبة والإلحاح:
يترك الماء آثارًا لا تُمحى: أخاديد في الصخر وبصمات على الضفاف، من غير عنف ولكن بالمواظبة. هكذا الإنسان أيضا؛ قد يمرّ صامتا، غير أنّ حضوره المتكرر يغيّر الأمكنة والقلوب. ليس كل أثر نتيجة صدمة، فبعض التحوّلات العميقة تصنعها الاستمرارية يعيدا عن الضجيج.
العودة والحنين إلى الأصل:
الماء قادر دائما على العودة؛ يتبخّر ثم يرجع مطرا، كأنّ له حنينا أبديا إلى بدايته الأولى. كذلك الإنسان، مهما ابتعد وطال تيهه، يعود في لحظة ما إلى ما كانه في العمق، إلى نداء خفيّ لم ينطفئ، وإنما تأجّل.
اجتماعي ، أليف في طبعه:
الماء اجتماعيّ بطبعه، لا يطيق العزلة، يبحث عن ماءٍ آخر ليصير نهرا أو بحرا. لا معنى لقطرة منفردة خارج سياقها. وكذلك الإنسان؛ لا يكتمل وحده، ولا تتضح صورته إلا بالآخرين، بالتماس، بالاختلاط، وبما يولّده الاجتماع من طاقة ومعنى.
الحياد وضبط النفس دون حقد :
إذا اعترض أحدٌ سبيل الماء، لا يثأر؛ فالماء ـ بلا قصد ولا نيّة ـ يحتبس، يصمت طويلا، ويرتفع منسوبه كأنّه يستجمع أنفاسه. وحين يجد منفذا، لا يعود ليعاقب، بل ليكمل طريقه وينجز مهمته. غير أنّ اندفاعه قد يكون كاسحا، فيُخيَّل إلينا أنّه انتقام. بحيث يمكن القول: الماء لا ينسى العائق، لكنه لا يحقد عليه؛ يتجاوزه حين يستطيع، ويترك عليه أمارة مروره لا أثر ثأره. كذلك الإنسان الناضج؛ لا يثأر، لكنه لا يبقى رهين العرقلة، منشغلا بها.
الانفعال وصفاء السريرة:
إذا غضب الماء دمّر، مثل الإنسان حين لا يجد من يحتوي انفعاله. وإذا هدأ، صار مرآة صافية تعكس السماء. هكذا الإنسان أيضا؛ حين يستقر داخله، يصبح مرآة لما فيه، وليس لما يواجهه، ويصير صفاؤه لغة تواصلية بحدّ ذاتها.
ثبات الجوهر وتغيّر الصورة:
يتشكّل الماء بحسب الإناء الذي يوضع فيه، دون أن يفقد ماهيّته. تتغيّر صورته، لكن جوهره يبقى ماءً. كذلك الإنسان؛ تشكّله الظروف، تصقله الأمكنة، وتعيد صياغته التجارب، غير أنّ حقيقته العميقة تظلّ صامتة، وعنيدة…
الانسيابية والالتفاف، لا للصدام:
للماء قدرة عجيبة على الانسياب؛ لا يواجه العائق مباشرة، بل يلتفّ حوله، يتسلّل بين الشقوق، وينساب ببطء ليجد دائما منفذا آخر دون ضجيج. في هذا الانسياب درسٌ اجتماعيّ للإنسان: فالماء لا يُخاصَم، ولا يُقابَل بالقسوة؛ لأنه إن مُنع انفجر، وإن فُهِم أطاع. على الإنسان أن يتعلّم قراءة منطق الماء ومنهجه التدبيري، عليه أن يترك له مجراه، وأن يصغي لإيقاعه قبل أن يفرض عليه السدود. فالصدام مع الماء ليس قوّة، بل جهل بطبيعة قوة صامتة. ومن يفهم الماء، يتعايش معه، ويحوّل خطره إلى حياة، لأنه أول مصدر للحياة.