
بقلم سعيد نعام
في زمنٍ أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحةً مفتوحة لكل أنواع المحتوى، دخلتُ عالم الكتابة مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة ما زالت قادرة على أن تجد صداها في النفوس. كتبت بدافع الشغف، لا بحثًا عن شهرة ولا انتظارًا لعددٍ كبير من الإعجابات، بل رغبةً في مشاركة أفكار ومعانٍ أراها ضرورية في هذا الواقع المتسارع. غير أنني، مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ ضعف التفاعل مع ما أكتب، وقلّة القرّاء والمهتمين، الأمر الذي دفعني إلى التوقف والتأمل في علاقتنا اليوم بالكتابة، وفي مكانة المحتوى الهادف وسط ضجيج لا يكاد يترك مجالًا للصوت الهادئ والعميق.
في زمنٍ أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، كنت أظن أن الكلمة الصادقة والفكرة العميقة ستجد طريقها طبيعيًا إلى القارئ. انطلقت من تجربة شخصية في كتابة القصة القصيرة، بذلت فيها جهدًا فكريًا وعاطفيًا، وحاولت أن أقدّم من خلالها معنى إنسانيًا ورسالة هادفة. غير أنني فوجئت بقلة المهتمين، وندرة القرّاء، وغياب التفاعل والتعليقات، وكأن النص مرّ مرور الكرام دون أن يترك أثرًا.
هذه التجربة دفعتني إلى التساؤل، لا عن قيمة ما أكتب فقط، بل عن واقعٍ أوسع: ما الذي حدث للناس؟ ولماذا أصبح التفاعل مع المحتوى الهادف ضعيفًا إلى هذا الحد، سواء على الفيسبوك أو اليوتيوب أو غيرها من منصات التواصل؟
يبدو أن سرعة العصر لعبت دورًا كبيرًا في ذلك، فالمتلقي اليوم محاط بسيلٍ هائل من الصور، والمقاطع القصيرة، والعناوين الصاخبة التي تخطف الانتباه في ثوانٍ معدودة، ولا تترك مجالًا للتأمل أو القراءة المتأنية. أصبح الكثيرون يفضلون المحتوى السهل، السريع، والخفيف، حتى وإن كان فارغًا من المعنى، على حساب النصوص التي تتطلب تفكيرًا أو تفاعلًا وجدانيًا أعمق.
كما أن الإرهاق النفسي والضغوط اليومية جعلت الإنسان يهرب إلى الترفيه السطحي بدل الاقتراب من كل ما يوقظه على أسئلة الوجود، أو يضعه أمام قضايا إنسانية وأخلاقية. فالمحتوى الهادف، في كثير من الأحيان، يحمّل القارئ مسؤولية التفكير، وربما المراجعة، وهذا ما لم يعد الكثيرون مستعدين له.
ولا يمكن إغفال دور خوارزميات منصات التواصل نفسها، التي تروّج لما يحقق أكبر قدر من المشاهدات والتفاعل السريع، لا لما يحمل قيمة فكرية أو ثقافية. وهكذا يجد الكاتب الجاد نفسه في معركة غير متكافئة، حيث يُدفن النص العميق تحت ركام من التفاهة المنتشرة، ويصبح التطبيع مع السماجة وانعدام الذوق هو السمة والمعيار الأمثل. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم:
هل نتوقف عن الكتابة؟
أظن أن الجواب لا. فحتى وإن قلّ عدد القرّاء، فإن وجود قارئ واحد يتأثر، أو فكرة واحدة تُلامس عقلًا أو قلبًا، كفيل بأن يمنح الكتابة معناها الحقيقي. فالمحتوى الهادف لم يُخلق ليكون رائجًا بالضرورة، بل ليكون صادقًا. ربما لم يعد الناس لا يهتمون بكل شيء هادف، بل أصبح الوصول إليهم أصعب. والرهان الحقيقي هو الاستمرار، والإيمان بأن الكلمة الصادقة، . وإن تأخرت، لا تموت