على بصيص ضوء معرض الكتاب بالقصر الكبير..

6 يونيو 2023

ذ . أسامة الحنشي

بعد ثورة معرض الكتاب بمدينتنا طفت على سطح المقاهي وبين تعاريج الأزقة نقاشات عديدة ..متنوعة. بدل الباب الواحد تطرق أبواب هي بالأصل ليست موصدة وإنما مفتوحة على مصراعيها ..كان فقط علينا إ لقاء التحية في سلام والولوج بسلام ..من أيها باب شئنا.. وقد كان من تبعات هذا الحدث الثقافي أن أثيرت عدة نقاشات وأشعل فتيل نيران مناوشات يحركها الحس الثقافي بنبل وطيبة أهل البلد من مثقفين ..أدباء وشعراء وفنانين ومسرحيين وروائيين وموسيقيين ..نقاشات من كل المنابر وكل الجهات..أصبحت المدينة تروج وتموج ..وارتفع منسوب الحس الثقافي..فأحسست أننا غرقى واد معرفي لا محالة..هو الشعور بحب الإنتماء لمدينة عريقة أسست منابر العلم.. ورفعت شأن المثقف بعد فترة صمت ..وسكون ..كاد ينال منها التوهان .
اعتبرت أن ماتلى معرض الكتاب من نقاشات ثقافية رصينة..رزينة فترة أعادت المثقف القصري الوقور الراقي إلى الواجهة ولم يعد مركونا في رفوف تواجدنا اليومي.. بروتنياته التي علاها الغبار وحفر الملل نتوءات جسدها على المقاهي..كانت النقاشات يتجادبها موضوع ردة الإبداعات والجماليات في الشعر كأنموذج يثيرني ويستهويني ..ويفتح أمامي بوابة الأسئلة البريئة في انطلاقاتها وجموحها.. أسئلة تخص الموروث الفني الذي تنبغي المحافظة عليه..باعتنباره الهوية وبين الانفتاح على أشكال شعرية أخرى..حداثية نغدي بها الذائقة الجمالية..وأذكر هنا (قصيدة النثر) (نصوص نثرية) وكذا( فن الهايكو) أو( شعر الهايكو).. والقصة القصيرة جدا والومضة هذه الأجناس أخذت مكانتها في المشهد الثقافي وبذلك نكون قد اعترفنا بأنها قادرة على تأثيث هذا المشهد وبالتالي أثبتت قدرتها على فك وثاق الإبداعات الحديثة من قبضة الأنموذج الجاهز بديعا وبيانا لفائدة مناحي جمالية جديدة تستمد مقوماتها.. من المشهدية الحية والدهشة المتفردة ..فالهايكو مثلا عند اليابان قد كانت له مقوماته الشكلية والبنائية البعيدة عن التأنق وزخارف البلاغة ..حيث عمد الشعراء الى نقل المشهد بعفوية تامة مع إلزامية ذكر قرينة تدل على الوقت الذي يتحدث فيه الشاعر..غير ان انتشار الهايكو بدول العالم قد جعل شعراء الهايكو يتخطون مكوناته ليمنحوه آفاقا أرحب ومساحات أوسع مرتبطة بصراعات النفس الإنسانية..فعلوا ذلك مع الحفاظ على روح الهايكو المتمثلة في الإدهاش والبساطة والآنية.. نفس الشئ يحدث مع (قصيدة النثر) التي ينكر عليها البعض حتى التسمية..نحن لاننكر الشعر العمودي بل نتشبث به ونعتز به لكن بنفس الوقت أريد أن أقول للاخوة المعارضين أن المشهد الثقافي الإنساني تنقصه حقا لوحة (قصيدة النثر)كإبداع فني خصوصا وأن مختلف الشعريات العالمية تتميز بهذا المكون وبالتالي الثقافة الإنسانية تتجه نحو التلاحم والتزاوج والتعايش من أجل عالم إنساني..وأنا مومن بأن المستقبل هو بلا شك لتحرر الشعر من كل القيود ..بالغوص في الإيقاعات الجمالية للحياة الراهنة بتفاصيلها ودقائقها وجزئياتها الفارقة..ولاشك أن المنجز الشعري العربي اليوم تتجاذبه عدة توجهات فكرية وهي في الحقيقة انعكاس للكينونة العربية.
ولا أنكر أنني منشغل بل مهووس بالانقلابات التي تعرفها القوالب الفنية والجمالية ..لست مع أوضد بقدر ما أنا مهتم بكيفية التعبيرعما ينتابني من أفكار ومشاعر وأحاسيس ورؤى تأملية تتخذ من الحلم والتخييل جسرايربطني بعوالم أخرى تسمو على الواقع ..كما أني مهتم بمايعكسه عمقي الروحي..مسلم بطاقة ثنائية الصفاء والنقاء.. مع عدم الالتزام بقوالب فنية جاهزة ..لا أرغب بارتداء بذلة مصممة من جورجبو أرماني أوإيف سانت لوران أو غيرهم ..لأن الشعر والفن هما أكبر من كل القوالب والنماذج الجاهزة..لأن الشعر هو سبر لأغوار الذات الإنسانية..لا أريد أن أكتب بأسلوب غيري ولابطريقة أخرى لاتساير ميولاتي وهواجسي وتأملاتي وانفعالاتي..صعب أن أكون الآخر..آن لنا أن نستفيق من حالة التخدير التي أصابتنا بها القصيدة العربية العمودية منذ أزيد من ستة عشر قرنا..وأنا أحفظ المعلقات كنت أشعر أنهاقصيدة واحدة ..تنقل من أنموذج راسخ بالذاكرة..أين هو تعبيري عن ذاتي ..اذا لم يكن من اختلاجات النفس..ومن اعتلالات ظرفيات الأيام..ومن التمرد الفكري النبيل المبني على أسس واعية..ومن التخلي عن العادات اللغوية البلاغية التي ظلت لقرون مسلمات عقائدية مرفوض نقاشها..إن شعراء اليوم يكتبون بلغة عصرهم وليست اللغة من تكتبهم.
بعد هذه الومضة أقول بأن النقاشات الجادة الهادفة إلى تحسين وتجميل المشهد الثقافي بمدينتنا هي ربح وانتصارلطموحاتنا وآمالنا وتطلعاتنا.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading