اليتيم

13 مايو 2023

بقلم : محمد الجباري

… ولأني لا أملك أسرة أو بيتا يأويني فلقد تربيت وترعرعت وسط أكثر من أسرة وبيت.. ساقني القدر أول مرة إلى بيت إمام المسجد الكبير؛ لكني، طوال السنوات السبع التي قضيتها مع الإمام، لم يعلمني طريقة الوضوء والصلاة أو الصيام.. كان مهتما أكثر بأن أتعلم علوم الحياة، قال لي مرة: “العلم هو الطريق إلى الله وعندما تعرف الله حقا سوف تحسن عبادته، بئس من عرف العبادة ولم يعرف الله”، بعد صلاة العشاء وقبل أن أنام قلت له: “إني أحبك أيها الإمام”، ابتسم في وجهي وقال: “يقول الشيخ الأكبر ابن عربي: الحب موت صغير”.

لم أدر ما علاقة الحب بالموت؟ بت تلك الليلة أفكر في كلام ابن عربي ونمت نوما مضطربا ومتقطعا أنتظر بشغف كبير أولى بوادر الصباح لكي أستفسر الإمام، لكنني حين بحثت عن الإمام ساعة الفجر لم أجده في خلوته، كان قد ركب دابته وسافر إلى بلاد الله البعيدة مقتفيا طريقا يوصله الى الله كحال جل المتصوفة والأخيار.

ساقني قدري من جديد إلى بيت فلاح في القرية.. غمرني الرجل وامرأته العاقر بكثير من الحب والحنان، أحببت فلاحة الأرض كما أحببت الأسرة والبيت الذي آواني وبت أعتبرهما أسرتي وبيتي… يا لسخرية القدر حين اكتشفت حجم الوهم الذي عشته لسنوات، يوم رُزقت زوجة الفلاح بطفل شعرت أني كنت طوال هذه السنين مجرد ممثل لعب دور الكومبارس، وأن مهمتي التي أتيت من أجلها قد انتهت بقدوم البطل الحقيقي، كنت فتيل شمعة أضاء على استحياء ليل هذا البيت، ترى من سيغريه ضوء شمعة حين تتربع الشمس كبد السماء؟

ولأني صرت كالأواني المهملة والزائدة في المنزل التي يستحسن التخلص منها، فلقد استغنى عني الفلاح وأرسلني إلى حفّار القرية وزوجته الصغيرة الحسناء.. أحببت الحفار الذي جعلني أعشق الأرض أكثر، علمني أنه بالعقل وليس بالفأس تمنحك الأرض بكارتها وتصير قشرتها سهلة وطيعة بين يديك، مع الوقت أمست عضلاتي تنمو وتكبر وصرت من قوتي حين أمسك المعول وأهوي به على الأرض تهتز من تحت قدميّ كما لو أصابها زلزال.. تقول زوجة الحفار إن اللحية التي تنبت في وجهي جعلتني أوسم وأجمل، لا أدري لماذا صرت في الأيام الأخيرة أرتاب من نظراتها، ومن حدسي علمت أنها نظرات شهوة بوازع من الشيطان.

حين دخلت عليها ذات ليلة صارت تغلق الأبواب ثم قالت بغنج: “هَيْتَ لك” شعرت بأني أحارب على جبهتين، أحارب الشيطان القابع في نفسي وهذه المرأة الممسكة بقميصي من الخلف، سمعت صرير الباب وحين التفت رأيت الحفار يلج علينا الغرفة، ارتمت زوجته في أحضانه وكأنها تحتمي به مني وقالت باكية: “ما جزاء من أراد بأهلك سوءا؟”، قلت بخجل شديد ورأسي مطأطأ إلى الأرض: “هي راودتني عن نفسي”. أشفقت من صدمة وحيرة الحفار فلم يكن يعلم المسكين من المذنب منا نحن الاثنان حتى ينتقم لنفسه وشرفه، دخل علينا فجأة رجل غريب الأطوار شعره أشعث شديد البيضاء، عيناه ضيقتان وأنفه معقوف ويلبس السواد، اقترب منه الحفار وقال متوسلا: “أهلا بكاهن القرية ومنجمها هل علمت بالورطة التي حلت بي؟ أيها العرّاف، أكيد أخبرتك الجن من منهما الجاني والظالم والخائن؟” فكر الكاهن قليلا وقال: “إن كان قميصه قدَّ من قُبُلٍ فصدق وهي من الكاذبين، وإن كان قميصه قدَّ من دُبُرٍ فكذب وهي من الصادقين”، حين رأى الحفار قميصي قدّ من دبر انتفض غاضبا وقال: “لأذهبن بك الآن إلى القاضي لكي ترجم في الساحة الكبيرة”، صاح الكاهن: “لا عليك أيها الحفار أنا سأتولى أمره وانتقم لك منه شر انتقام”، سحبني الكاهن من لحيتي خارج الدار، قلت له غاضبا: “كيف تجرؤ أن تحرف حكمة الله؟ كان الأجدر بك أن تقول: إن كان قميصه قدَّ من قُبُلٍ فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قدَّ من دُبُرٍ فصدق وهي من الكاذبين…

والحقيقة أن قميصي قدَّ من دُبُرٍ”، ضحك العرّاف وقال: “الحقيقة! ومن أدراك أن الحفار كان يريد سماعها؟ لا تخبر الناس بالأشياء التي تود أن تقولها بل بالأشياء التي يود الناس سماعها… هذا هو درسك الأول لكي تصير منجما وعرّافا وساحرا”، قلت: “هذا فراق بيني وبينك أيها العرّاف”، ضحك الكاهن من جديد وقال منتشيا: “لقد أخبرني المردة من الجن الذين يسترقون أخبار السماء أنك ستفرح فرحتين وتموت عند الفرحة الثالثة، فقط بقاؤك معي من سيحميك من قدرك وينجيك من الموت”.

آه يا إلهي كيف أمنح نفسي لكاهن سحّار؟ شعرت بأن نبي الله يوسف كان أكثر حظا مني عندما هرب من المعصية إلى السجن، وها أنا ينتهي بي الحال إلى مصاحبة شيطان، أسوأ من المعصية الهروب إلى معصية أكبر، قررت الهرب والسفر إلى بلاد الله البعيدة، وعاهدت نفسي أن أظل حزينا طول العمر، وأن لا أفرح أبدا ألم يقل الساحر والمنجم أن حتفي عند الفرحة الثالثة؟

اتجهت جنوبا صوب قرية الشحاذين والمتسولين إنه مكان بائس يليق برجل هارب من الفرح…

مقتطف من قصة ” الحب موت صغير” محمد الجباري

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading