
ذ. ادريس حيدر :
دأب المهاجرون المغاربة الذين يعيشون في الدول الأروبية ، من أجل العمل و ضمانهم العيش الكريم ، التردد على بلادهم المغرب ، في فترات العطلة ، للاستجمام أو صلة الرحم مع عائلاتهم أو قضاء مآربهم .
و من المؤكد أن جزء غير يسير منهم ، يحاول إبراز بعض مظاهر الرفاه التي يعيشونها لبني جلدتهم ، إما من خلال نوع السيارات التي يمتطونها أو الملابس التي يرتدونها و أحيانا المنازل التي يشترونها أو يبنونها .
و يتعمد البعض منهم الانتقام من البلاد التي لم توفر لهم فرص العمل و العيش الكريم ، و كذا الأهل و الأحباب و جمهورا عريضا من السكان ، و ذلك بممارسةً نوع من التعالي عليهم و استصغارهم و محاولة تمريرهم رسالة مفادها أنهم أصبحوا ينتمون إلى الطبقات المترفة و الغنية ، و انهم انعتقوا من الأزمة التي كانت تلازمهم في بلدهم فبل هجرتهم ، كما أنهم يتماهون و ذلك بالتحدث بلغة البلاد التي يعيشون فيها ، كل ذلك بغية ممارسة نوع من الساديةو التشفي في حق أبناء بلدهم .
مناسبة هذا الاستهلال ، هي واقعة كنت أحد أبطالها ، هذا الصيف .
فقد ركنت سيارتي بمحاداة إحدى المصحات قصد عيادة أحد معارفي ، فإذا بي أسمع صياحا لأحد الأشخاص وكان يسوق سيارته .
تأكدت أنه كان يوجه لي كلامه بصوت مرتفع و بحركات يده في كل اتجاه .
أدركت أنه كان غاضبا ، و لا أدري السبب .
كان يتكلم معي بلغة أشبه بالإسبانية ، فطلبت منه بأدب جم، أن يخاطبني ب “الدارجة المغربية ” ، لأنني لا أفهم ما يقول .
فرد علي بجهالة و عنف و بغير قليل من العدوانية :
” و ما شأنك بذلك ؟” ¿ a ti que te importa?».
أجبته :
” سيدي ، قلت لك أنني لا أتكلم و لا أفهم اللغة الإسبانية ”
و هكذا سقط الرجل في المحذور ، اعتقادا منه أنني لا أتكلم اللغة الإسبانية ، و همهم ، قائلا بنفس اللغة :
” جاهل ” ignorante ”
كان ردي عليه هذه المرة عنيفا و قاسيا و باللغة الإسبانية :
” أو لا تستحيي يا هذا ؟ تسبني و تشتمني من دون سبب، و تحاول أن تتقمص شخصية مشغلك في إسبانيا ، و توهم أبناء بلدك البسطاء أنك أصبحت إسبانيا ، و تتكلم بغطرسة و تعال ، دون أن تعي بنفسك أنك مستلب و تافه و منحط .
طلبت منك أن تتكلم بالدارجة المغربية ، لأنه من العيب أن نتكلم معا و نحن مغربيان بلغة أجنبية “.
أخذ منه الذهول مأخده ، و أصبح و كأنه أصيب بالخرس ، بعدها همهم بصوت مبحوح و متهدج و غير مفهوم .
في هذه الأثناء كان قد تجمع بعض المارة ، الذين سمعوا جزء من الحديث ، و انطلقوا يحتجون على مسلكيات الرجل بأصوات عالية :
” سبعيام دلباكور غادي دوز !!!” نطق أحدهم .
كان المهاجر محرجا ، يتكلم و كأنه يهذي ، انصرف بسيارته التي كان يسوقها بهدوء و مطأطأ الرأس .
تأسفت لحالته .
إن الفقر و الحاجة و الأمية . تولد غالبا أشخاصا مستلبين و ذوو تفكير و ممارسة ضحلين .
إن بلدهم و مسؤوليها هم الذين لم يوفروا لهم سبل العيش الكريم ، هم الذين يتحملون المسؤولية في انحرافات و أخطاء هذه المخلوقات .