
ذ. ادريس حيدر :
قال ذات يوم ، ملك ” فرنسا” : ” لويس الرابع عشر “.
“لو لم أكن ملكا لفرنسا ، لوددت أن أكون محاميا “.
مآسي و معاناة :
عاينت من خلال الفترة التي قضيتها و أقضيها في مهنة المحاماة ، أحداثا و جرائم ، كانت موضوع قضايا راجت أمام المحاكم .
فلا زلتُ أتذكر ذلك الفتى الفقير و العليل ، و الذي كان يعيش مع أمه لوحدهما ، و كانت هذه الأخيرة تعمل لدى الغير من أجل توفير قوت يومها و لابنها .
كان هذا الابن عاطلا عن العمل ، و مدمن على تناول المخدرات .
و تحت تأثيرها ، بدأ يعطي أمه منوما ، لكونها كانت تعاني من ألم الرأس ، و تجد صعوبة في الخلود للراحة .
و أحيانا تدخل في شبه غيبوبة ، نتيجةتناولها للقرص المنوم الذي كان يمدها به ابنها الوحيد .
إلا أنها لاحظت أن آلام رأسها يزداد عند استيقاظها في الصباح .
فقررت استشارة الطبيب الذي نصحها بعدم تناول الأقراص التي يناولها ابنها .
و طلب منها الطبيب أن توهم ابنها ، بكونها لازالت مستمرة في تناول أقراصه .
و في إحدى الليالي ، و في ساعة متأخرة منه ، شعرت بشخص يضاجعها ، و لم يكن إلا ابنها .
مصدومة ، منهارة و غاضبة ، قصدت مهرولة عيادة الطبيب ، و أخبرته بالواقعة ، متوسلة إياه ، بأن لا يتخذ أي إجراء ضد ابنها قد يضره ، أو يزج به في السجن .
وعدها الطبيب خيرا ، إلا أنه قام بالمتعين ، و بما يمليه عليه ضميره .
اعتقل الابن الضال و حوكم و أدين بعقوبة قاسية .
كان السجناء – بالرغم من انحرافهم – و موظفو السجن يعاملونه معاملة قاسية و عنيفة ، بل كان الجميع يعتدي عليه ، و يهمله ، حيث يُحرم من الأكل و الشرب و الغطاء ، جزاء ما قام به من أفعال مقيتة و مشينة و غير مقبولة دينيا و أخلاقيا ، خاصة و أن ما قام به سلوك دخيل على مجتمع ذو خلفية إسلامية و محافظة .
فكان يقضي أيامه و كأنه في جحيم .
و كذلك لا تفوتني واقعة كنت شاهدا عليها ، حيث قُدِّمَ رجل طاعن في السن إلى المحكمة الابتدائية بالرباط ، حيث توبع من طرف السيد وكيل الملك من أجل الضرب و الجرح بواسطة السلاح .
و كان الرجل قد تعارك مع أشخاص من دواره ، قاموا بانتزاع حيازته لعقار ورثه عن أبيه ، و كان هذا الأخير مصدر رزقه ، و اعتقد أن ما صدر منه من أفعال كان دفاعا عن النفس .
غير أن خصومه كانوا أقوى منه جاها و مالا ، فتم تحرير محضر لدى الضابطة القضاىية ، منحازا لهم ، و قُدِّمَ و كأنه مجرم اعتدى على مواطنين آمنين .
فكان حكم المحكمة عليه قاسيا ، حيث أدانته و عاقبته بسنة سجنا نافذا .
و بمجرد أن نطق القاضي بالحكم ، ارتبك و صاح بصوت رهيب كحيوان جريح ، و ارتمى على القاضي في منصته محاولا الفتك به ، و كان صدى صوته يتردد في زوايا قاعة المحكمة ، ناعتا القاضي بالظالم و المرتشي و المتحيز .
تم فتح متابعة ثانية في حقه ، و قضت المحكمة بإدانته و معاقبته ب: 4 سنوات حبسا نافذا .
عُرِف الرجل داخل السجن بتقواه و جديته و استقامته ، و طيبة قلبه و سعته .
و ظل يأمل أن ينصفه القضاء ، لأنه كان قد قدم طعنا لدى محكمة النقض…، إلا أنه انتقل إلى عفو الله في السجن ، قبل أن تتحقق أمنيته .
كما عايشت إحدى الحالات الإنسانية ، و التي كانت قد أثرت في كثيرا .
كانت إحدى السيدات البدويات ، قد حضرت إلى المحكمة ، قصد الاستماع إليها من طرف السيد وكيل الملك ، باعتبارها مشتكى بها . و كان يرافقها طفل وديع لا يتكلم و لا يتحرك .
نودي على السيدة قصد الاستماع إليها من طرف السيد وكيل الملك ، فدلفت إلى مكتبه ، و تركت ابنها خارجه جالسا على إحدى الكراسي .
و بعد استنطاقها قرر السيد وكيل الملك إيقافهاو إيداعها السجن في انتظار محاكمتها .
رمق الطفل أمه محاطة برجال الشرطة ، يرافقونها إلى زنزانة الحجز و الاعتقال ، فبدأ يصرخ و يبكي .
و عندما تأكد أن أمه لن تعود ، خرج من المحكمة ، بغية البحث عن حجارةً صغيرة ، يرميها علىً أولئك الرجال الغرباء الذين يرافقون أمه و كذا المؤسسة التي حجزتها .
ارتطمت تلك الحجرة التي رماها بالأرض و تغير اتجاهها ، حيث أصابت الإطار الزجاجي الذي كانت بداخلهً صورة الملك ، و التي كانت موضوعة في بهو المحكمة على الأرض و ليست معلقة .
تم إيقاف ذاك الطفل من طرف رجال الشرطةً، و أثناء تحرير الضابطة القضائية للمحضر الذي يتعلق بفعله ، تبين لها أن الطفل أبكم لا يفهم و لايعي شيئا ، و بالرغم من ذلك توبع بإهانة المقدسات ، و قُدِّمَ للمحاكمة .
و قد أثار المحامون الذين تطوعوا للدفاع عنه دفوعات شكلية و موضوعية ، تتعلق بعدم أهليته و بإعاقته و بكونه لا زال حدثا ، إلا أن القاضي لم يكن يصغي لها ، بل كان يفكر في الإدانة و في صيغتها القانونية .
هذه المحطة الأخيرة تؤكد أن هناك بعض القضاةً لا يستعملون سلطتهم التقديرية التي أولاهم إياها المشرع و التي هي على قدر كبير من الأهمية بشكل قويم ، بل و ليست لهم الجرأة و الشجاعةًلتنزيل النصوص القانونية تنزيلا سليما و بذلك يساهمون في عدم تحقيق العدل بل و يصيبونه في مقتل .
إن مثل هذه النماذج المذكورة ، ترفع منسوب الغضب لدى المواطن ، و تنتاب المحامي كثير من الحسرة و الإحباط بل و الألم ، و يتساءل :
” ما الجدوى من المحاكمة ؟ و لماذا لا يُنزل القانون تنزيلا صحيحا ؟ أوليست التجاوزات المذكورة قتل للحق و العدل ؟
تشكيل : إدريس حيدر .