يوميات محامي ( 20) – مآسي ومعاناة :

25 يوليو 2026

ذ. ادريس حيدر :

قال ذات يوم ، ملك ” فرنسا” : ” لويس الرابع عشر “.

“لو لم أكن ملكا لفرنسا ، لوددت أن أكون محاميا “.

مآسي و معاناة :

عاينت من خلال الفترة التي قضيتها و أقضيها في مهنة المحاماة ، أحداثا و جرائم ، كانت موضوع قضايا راجت أمام المحاكم .
فلا زلتُ أتذكر ذلك الفتى الفقير و العليل ، و الذي كان يعيش مع أمه لوحدهما ، و كانت هذه الأخيرة تعمل لدى الغير من أجل توفير قوت يومها و لابنها .
كان هذا الابن عاطلا عن العمل ، و مدمن على تناول المخدرات .
و تحت تأثيرها ، بدأ يعطي أمه منوما ، لكونها كانت تعاني من ألم الرأس ، و تجد صعوبة في الخلود للراحة .
و أحيانا تدخل في شبه غيبوبة ، نتيجةتناولها للقرص المنوم الذي كان يمدها به ابنها الوحيد .
إلا أنها لاحظت أن آلام رأسها يزداد عند استيقاظها في الصباح .
فقررت استشارة الطبيب الذي نصحها بعدم تناول الأقراص التي يناولها ابنها .
و طلب منها الطبيب أن توهم ابنها ، بكونها لازالت مستمرة في تناول أقراصه .
و في إحدى الليالي ، و في ساعة متأخرة منه ، شعرت بشخص يضاجعها ، و لم يكن إلا ابنها .
مصدومة ، منهارة و غاضبة ، قصدت مهرولة عيادة الطبيب ، و أخبرته بالواقعة ، متوسلة إياه ، بأن لا يتخذ أي إجراء ضد ابنها قد يضره ، أو يزج به في السجن .
وعدها الطبيب خيرا ، إلا أنه قام بالمتعين ، و بما يمليه عليه ضميره .
اعتقل الابن الضال و حوكم و أدين بعقوبة قاسية .
كان السجناء – بالرغم من انحرافهم – و موظفو السجن يعاملونه معاملة قاسية و عنيفة ، بل كان الجميع يعتدي عليه ، و يهمله ، حيث يُحرم من الأكل و الشرب و الغطاء ، جزاء ما قام به من أفعال مقيتة و مشينة و غير مقبولة دينيا و أخلاقيا ، خاصة و أن ما قام به سلوك دخيل على مجتمع ذو خلفية إسلامية و محافظة .
فكان يقضي أيامه و كأنه في جحيم .
و كذلك لا تفوتني واقعة كنت شاهدا عليها ، حيث قُدِّمَ رجل طاعن في السن إلى المحكمة الابتدائية بالرباط ، حيث توبع من طرف السيد وكيل الملك من أجل الضرب و الجرح بواسطة السلاح .
و كان الرجل قد تعارك مع أشخاص من دواره ، قاموا بانتزاع حيازته لعقار ورثه عن أبيه ، و كان هذا الأخير مصدر رزقه ، و اعتقد أن ما صدر منه من أفعال كان دفاعا عن النفس .
غير أن خصومه كانوا أقوى منه جاها و مالا ، فتم تحرير محضر لدى الضابطة القضاىية ، منحازا لهم ، و قُدِّمَ و كأنه مجرم اعتدى على مواطنين آمنين .
فكان حكم المحكمة عليه قاسيا ، حيث أدانته و عاقبته بسنة سجنا نافذا .
و بمجرد أن نطق القاضي بالحكم ، ارتبك و صاح بصوت رهيب كحيوان جريح ، و ارتمى على القاضي في منصته محاولا الفتك به ، و كان صدى صوته يتردد في زوايا قاعة المحكمة ، ناعتا القاضي بالظالم و المرتشي و المتحيز .
تم فتح متابعة ثانية في حقه ، و قضت المحكمة بإدانته و معاقبته ب: 4 سنوات حبسا نافذا .
عُرِف الرجل داخل السجن بتقواه و جديته و استقامته ، و طيبة قلبه و سعته .
و ظل يأمل أن ينصفه القضاء ، لأنه كان قد قدم طعنا لدى محكمة النقض…، إلا أنه انتقل إلى عفو الله في السجن ، قبل أن تتحقق أمنيته .
كما عايشت إحدى الحالات الإنسانية ، و التي كانت قد أثرت في كثيرا .
كانت إحدى السيدات البدويات ، قد حضرت إلى المحكمة ، قصد الاستماع إليها من طرف السيد وكيل الملك ، باعتبارها مشتكى بها . و كان يرافقها طفل وديع لا يتكلم و لا يتحرك .
نودي على السيدة قصد الاستماع إليها من طرف السيد وكيل الملك ، فدلفت إلى مكتبه ، و تركت ابنها خارجه جالسا على إحدى الكراسي .
و بعد استنطاقها قرر السيد وكيل الملك إيقافهاو إيداعها السجن في انتظار محاكمتها .
رمق الطفل أمه محاطة برجال الشرطة ، يرافقونها إلى زنزانة الحجز و الاعتقال ، فبدأ يصرخ و يبكي .
و عندما تأكد أن أمه لن تعود ، خرج من المحكمة ، بغية البحث عن حجارةً صغيرة ، يرميها علىً أولئك الرجال الغرباء الذين يرافقون أمه و كذا المؤسسة التي حجزتها .
ارتطمت تلك الحجرة التي رماها بالأرض و تغير اتجاهها ، حيث أصابت الإطار الزجاجي الذي كانت بداخلهً صورة الملك ، و التي كانت موضوعة في بهو المحكمة على الأرض و ليست معلقة .
تم إيقاف ذاك الطفل من طرف رجال الشرطةً، و أثناء تحرير الضابطة القضائية للمحضر الذي يتعلق بفعله ، تبين لها أن الطفل أبكم لا يفهم و لايعي شيئا ، و بالرغم من ذلك توبع بإهانة المقدسات ، و قُدِّمَ للمحاكمة .
و قد أثار المحامون الذين تطوعوا للدفاع عنه دفوعات شكلية و موضوعية ، تتعلق بعدم أهليته و بإعاقته و بكونه لا زال حدثا ، إلا أن القاضي لم يكن يصغي لها ، بل كان يفكر في الإدانة و في صيغتها القانونية .
هذه المحطة الأخيرة تؤكد أن هناك بعض القضاةً لا يستعملون سلطتهم التقديرية التي أولاهم إياها المشرع و التي هي على قدر كبير من الأهمية بشكل قويم ، بل و ليست لهم الجرأة و الشجاعةًلتنزيل النصوص القانونية تنزيلا سليما و بذلك يساهمون في عدم تحقيق العدل بل و يصيبونه في مقتل .
إن مثل هذه النماذج المذكورة ، ترفع منسوب الغضب لدى المواطن ، و تنتاب المحامي كثير من الحسرة و الإحباط بل و الألم ، و يتساءل :
” ما الجدوى من المحاكمة ؟ و لماذا لا يُنزل القانون تنزيلا صحيحا ؟ أوليست التجاوزات المذكورة قتل للحق و العدل ؟

تشكيل : إدريس حيدر .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading