العوامرة ، سيرة تحول ، الحلقة: 9 من “القصر الكبير في مرآة الفيضان.

منذ 4 ساعات

بقلم : ذ . عبد المالك العسري

تأتي هذه الحلقة لتسلط الضوء على منطقة العوامرة بوصفها مجالا قرويا عاش زمنا طويلا على الهشاشة، قبل أن يعيد مشروع السد رسم ملامحه الاقتصادية والاجتماعية، وينقله من الهامش إلى اهم تحول فلاحي بالجهة.
قبل السد، كانت العوامرة فضاء زراعيا تقليديا، تقوم معيشة ساكنته على المزروعات المعاشية البسيطة، المرتبطة بتقلبات المطر ومحدودية الموارد. تفشي البطالة ، والعمل الموسمي في الضيعات الفلاحية الكبرى خصوصا شركة لوكوس الأفق شبه الوحيد الذي كان ،و ضيعات سوجيطا وصوديا، حيث اشتغلت أجيال كاملة في شروط قاسية، دون استقرار أو حماية اجتماعية. وضعف البنيات التحتية، غياب الطرق المعبدة، وهشاشة الخدمات الصحية والتعليمية، جعلت المنطقة تعيش على هامش التحولات التي كانت تعرفها البلاد
النسيج السكاني للعوامرة تشكل عبر موجات هجرة متعاقبة، خصوصا من قبائل دكالة والرحامنة والريف ، التي استقرت بالمنطقة بحثاً عن الأرض والعمل. وفي مفارقة تاريخية لافتة، شهدت العوامرة سنة 1922 بناء أول مطار بالمغرب من طرف المستعمر الإسباني، حدث ظل معزولا عن محيطه، كان المطار عسكريا ،.
المنعطف الحاسم جاء مع إنجاز سد وادي المخازن، ودخول نظام السقي حيز الاستغلال سنة 1979. الماء غيّر كل شيء. ففي سنة 1980، تم توزيع الأراضي على الفلاحين في إطار تعاونيات فلاحية، شملت أراضي الدولة والأراضي السلالية، بمعدل أربع هكتارات للفرد. لأول مرة، صار الفلاح مالكا لأرضه، لا مجرد عامل.
تدريجياً، تبدلت الملامح: منازل إسمنتية عوضت البيوت الطينية، شبكة طرقية ربطت الدواوير، تعميم التعليم والكهرباء، وتحسن ملموس في الدخل ومستوى العيش. الزراعة بدورها عرفت قفزة نوعية، مع بروز فلاحات ذات قيمة مضافة عالية، خاصة الفواكه الحمراء، التي أدخلت العوامرة في دورة اقتصادية جديدة، أكثر ارتباطاً بالسوق وأقل ارتهاناً للمطر.
وفي هذا السياق، عرفت المنطقة توسعاً مهماً في زراعة قصب السكر، التي شكلت في مرحلة معينة ركنا أساسيا من اقتصادها الفلاحي. وقد تعزز هذا التوجه ببناء معمل للقصب السكري، ما خلق دينامية تشغيلية جديدة، وربط العوامرة بسلاسل إنتاج صناعي فلاحي، تتجاوز حدود الزراعة التقليدية.
هذا التحول جعل العوامرة قبلة للاستثمارات، ليس فقط الوطنية، بل أيضا الأجنبية، حيث استقرت مشاريع برأسمال إسباني وأرجنتيني وبلجيكي، خاصة في مجالات الفلاحة العصرية، التلفيف، التخزين،التبريد ، والخدمات المرتبطة بها. ومع هذه الدينامية، انتعش قطاع البناء، وارتفعت أثمنة العقارات والمتاجر، واتسعت حركة التعمير، في مؤشر على تحسن القدرة الشرائية واستقرار الساكنة.
بالتوازي، ازدهرت التجارة المرتبطة بالقطاع الفلاحي: مواد الإنتاج، البذور، الأسمدة، والآليات الفلاحية التي صارت جزءا من المشهد اليومي، بعدما كانت نادرة أو بعيدة المنال. الأسواق المحلية تغير إيقاعها، وبرز فاعلون جدد، وتحولت العوامرة إلى قطب فلاحي نشيط داخل حوض لوكوس.
هكذا تبلور تحول اجتماعي واقتصادي عميق: تقلصت الهشاشة، تحسنت شروط العيش، وارتفع منسوب الأمل لدى فئات واسعة من الساكنة. ولم يعد من المبالغة القول إن العوامرة أصبحت من أغنى مناطق الجهة، بما راكمته من خبرة فلاحية ورأسمال بشري.
غير أن هذا المسار، بما يحمله من نجاحات، يضع في الواجهة سؤال حكامة التدبير: حكامة الماء، والأرض، والاستثمار، بما يضمن عدالة مجالية، واستدامة بيئية، وتنمية مندمجة لا تقصي الفلاح الصغير ولا تفرغ المجال من توازنه الاجتماعي. ففضائل السد تكمن في حسن تدبيره، وفي تحويله إلى رافعة تنموية متواصلة.
بهذا المعنى، تظل العوامرة مثالا حيا على كيف يمكن لمشروع مائي كبير أن يكون بداية حكاية جديدة، حين يقترن بالاختيار التنموي الرشيد، وبإرادة جماعية ترى في الأرض والماء الموردان أساساً لكرامة الإنسان واستقرار المجال

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading