…… القصر الكبير مدينة منكوبة مرتين ……..

منذ 5 ساعات

.

ذ. محمد الشدادي :
(مدينة منكوبة: وسام الشجاعة والتحدي والعودة إلى الله) :
حين تصنف مدينة بأنها منكوبة، قد يظن البعض أن في ذلك نوعا من التنقيص أو الوصم السلبي. لكن في الحقيقة، هذا التصنيف هو اعتراف رسمي بعمق المحنة، وبحجم الحاجة إلى التضامن والدعم. إنه ليس وصمة، بل ابتلاء من عند الله يختبر صبر الساكنة وقوة الدولة، ويعيد إحياء قيم إنسانية تكاد تختفي في زمن الفردانية: التضامن، التكافل، الرحمة، والإحساس بالآخر..
وهكذا، تصبح تسمية منكوبة وساما للشجاعة والتحدي، لأنها تكشف قدرة الناس على الصمود أمام الشدائد، ووساما للعودة والتوبة، لأنها تذكير بأن الابتلاء باب للرجوع إلى الله عز وجل. إنها ليست علامة ضعف، بل عنوان قوة، ورسالة أمل بأن المحن قد تكون بداية لنهضة جديدة، وأن القصر الكبير ستظل شاهدة على أن الابتلاءات تصنع القيم وتحيي الروح الجماعية.

(من الحسن الثاني إلى محمد السادس استمرارية اليد البيضاء):
القصر الكبير مدينة نادرة في المغرب حملت لقب منكوبة مرتين في تاريخها:
1963: اجتاح الفيضان معظم أحيائها وأجبر آلاف الأسر على النزوح. وقد وصف الباحث عبدالسلام بوخلفة هذا الحدث قائلا: “عرفت القصر الكبير فيضانات مهولة أهلكت الحرث والنسل، وقضت على الأخضر واليابس ببراريه يوم 17 دجنبر 1963، حيث تلاشت فيه القنوات، وتحطمت الطرق، وهدمت الدور، وخلفت 471 عائلة بدون مأوى، وبلغت الخسائر 375 مليون فرنك.. وفي سنة 1967، وضع المغفور له الملك الحسن الثاني يده البيضاء على مرسوم ملكي يقضي بمنح التجار والصناع والحرفيين قروضا طويلة المدى قصد تعويض الخسائر، وأمر ببناء 471 دارا للمنكوبين” ، في مبادرة ملكية أعادت الأمل للساكنة وخلدت حي المناكيب كذاكرة جماعية للمدينة.
2026: عرفت القصر الكبير فيضانا جديدا حين بلغت حقينة سد وادي المخازن مستوى غير مسبوق تجاوز 166٪، مما جعل المدينة تواجه خطرا كبيرا. ولولا الإجراءات الاستباقية التي قامت بها الدولة لإخلاء الساكنة، لكانت الخسائر في الأرواح جسيمة. ومع ذلك، تكبدت الأسر خسائر في المباني والممتلكات. وهنا وضع الملك محمد السادس يده البيضاء عبر إدراج القصر الكبير ضمن قائمة المدن المنكوبة، وأطلق برنامجا اجتماعيا وإنسانيا واسعا تضمن:
– منح 6000 درهما للأسر المتضررة بشكل مباشر.
– منح 15,000 درهما لتعويض الأضرار التي لحقت بالبيوت.
– منح 140,000 درهما للأسر التي انهدمت منازلها بالكامل.
هذا البرنامج الملكي لم يكن مجرد دعم مالي، بل رسالة تضامن قوية أعادت الطمأنينة للساكنة، وأكدت أن الدولة لا تترك أبناءها في لحظات الشدة، وأن العناية الملكية السامية تظل دائما صمام أمان في مواجهة الكوارث.

(نهر لوكوس ليس ظالما بل يسترجع حقه ):
نهر لوكوس الذي ينبع من جبال الريف ويصب في المحيط الأطلسي عند مدينة العرائش، ارتبط اسمه بالحضارات القديمة التي تعاقبت على المنطقة. فقد أخذ اسمه من المدينة الأثرية ليكسوس (Lixus)، التي كانت مركزا حضاريا للفينيقيين ثم للرومان، وتقع بجوار مصب النهر.
كلمة لوكوس أو “ليكسوس” في الأصل الإغريقي واللاتيني تعني المكان المضيء أو اللامع، وهناك من يربطها بجذر فينيقي يشير إلى الماء الجاري أو النهر.
لكن لوكوس لم يكن مجرد اسم تاريخي، بل كان دائما مصدر خير وعطاء، يغذي الساكنة بما تحتاجه من حبوب وخضر وفواكه، ويعد حوضه من أغنى الأحواض الزراعية في المغرب. ولأجل مساهمته الكبيرة في بناء الحضارة، اتخذ الفينيقيون والرومان وغيرهم من ضفافه مكانا للاستيطان، مستفيدين من خصوبته ومياهه، لكن دون أن يعتدوا على أماكن توسعه الطبيعية عند حلول الفصل الممطر. فقد احترموا قوانينه، فعاشوا في انسجام معه.
أما الإنسان المعاصر، فقد ضيق مجاله واعتدى على أراضيه بسياسات عمرانية خاطئة، فكان النهر بين الفينة والأخرى يشن هجوما ليسترجع حقه، ويذكر الناس أن احترام الطبيعة شرط أساسي للعيش الآمن. وهكذا، يصبح نهر لوكوس رمزا للخصب والعطاء، وشاهدا على أن المسؤولية في الخسائر تقع على الإنسان لا على النهر.

(تاريخ الفيضانات: من حي المناكيب إلى سدود الحماية):
-1963: فيضان كبير صنف المدينة منكوبة، وتم إجلاء الأسر وإسكانهم مؤقتا في بيوت خشبية بتعاون مع اليونيسكو.
-1967: مبادرة ملكية للمرحوم الحسن الثاني لإعادة إسكان حوالي 471 أسرة في حي المناكيب، الذي أصبح شاهدا حيا على تلك المرحلة.
– سد وادي المخازن: أنشئ لحماية المدينة، لكنه تحول سنة 2026 إلى مصدر خطر حين تجاوزت حقينته 166٪.
– سد تفر: مشروع جديد يهدف إلى تخفيف الضغط على وادي المخازن والاستفادة من المياه بدل إرسالها إلى البحر.
– الربط المائي مع سد دار خروفة: طريق سيار مائي يوزع الموارد ويعزز الأمن المائي، ليكون جزءا من شبكة وطنية متكاملة.
وفي الختام فالقصر الكبير، مدينة المنكوبين مرتين، ليست ضحية لوادي لوكوس وحده، بل ضحية سياسات عمرانية تجاهلت صوت الطبيعة. ومع ذلك، ظلت العناية الملكية السامية صمام أمان، وظل المواطن في صلب الاهتمام. إن تسمية منكوبة ليست وصمة، بل وسام للشجاعة والتحدي والعودة إلى الله، ورسالة بأن المحن قد تكون بداية لنهضة جديدة، وأن التضامن في المغرب عهد لا ينقطع.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق

اكتشاف المزيد من أخبار قصراوة العالم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading